Piczo

Log in!
Stay Signed In
Do you want to access your site more quickly on this computer? Check this box, and your username and password will be remembered for two weeks. Click logout to turn this off.

Stay Safe
Do not check this box if you are using a public computer. You don't want anyone seeing your personal info or messing with your site.
Ok, I got it
School...and my friend's
ما أصعب الإحساس بالذنب حتى ولو لم تكن أنت فاعله!
ما أصعب أن تكون قويا والكل حولك ضعيف!
والأصعب هو أن يكذبك الصديق الأقرب إليك

في لحظة سابقة كنت أظن أن الحقيقة تنكشف لوحدها، لكن سرعان ما اكتشفت أنها لا تظهر إلا بعزم أهل الحق على إظهارها...
أتمنى لها الإنجلاء والظهور...قريبا
وفي لحظة لا كباقي اللحظات، لحظة حرجة، أو أنها كانت إمتحانا لمدى العلاقات التي تجمعني وأصدقائي، إمتحان مباغث لكل الأطرافـ،، وفعلا تحددت العلاقات وانكشف ما كان تحت غطاءها...للأسف.
كانت في البداية جملة من الأحاسيس تنتاب "إبراهيم" اتجاه فتاة تدعى "سلمى"، هذه الأخيرة وبكل معنى الاستهزاء تجرأت على أن تنحت أقسى الكلمات في قلبه بحجة أنها لم تحبه، والمثير والمفجع أنها أرسلت سهامها الطاعنة يوم عيد الأضحى المنصرم...كم هذا غريب...الناس تضحي يوم العيد بالأكباش، وسلمى اختارت أن تضحي بفؤادي...أرسلت رسالة عبر الهاتف المحمول ولازلت أتذكر يومها كانت الساعة تشير تحديدا إلى 15:18زوالا ، الساعة التي كرهتها ككرهي لطعنات الشر وأعوانه. عموما من هنا تنطلق حياكة الشبكة القصصية للعلاقات التي تجمع بين الأصدقاء.
إبراهيم و عزيز الشخصيتان الرئيسيتان بالقصة، كانا معا منذ نعومة أظافرهما، طالما لعبا معا وضحكا معا وبكيا معا وابتسما معا وغضبا معا، عاشا في ظل طفولة يعتزان بها رغم أن جلها قضاها معا في مرمى النفايات أو ما يصطلح عليه بالمزبلة..."تحت الجبل"أو"زبالة كريكورا"...يا لها من لحظات أشهى من التي يقضيها الطفل في المدرسة الحالية...مبادئ شوهاء وعلوم فارغة لا يحصل منها الأطفال على شيء ينفعهم في الاعتماد على الذات، إن إبراهيم وعزيز يعتزان بأيام الطفولة......لكن مالذي حصل حتى تتشقق الصورة الوردية لسنوات الطفولة وسنوات الصداقة؟؟؟
ظنا من عزيز أن إبراهيم يتقرب إلى أمل التي يعرفها عزيز من قبل أن يعرفها إبراهيم، وقد تعرف عليها هذا الأخير عن طريق عزيز بشكل أخوي وصداقة واضحة وضوح الشمس، إلا أن عزيز ما كان ليتفهم علاقتي بأمل سوى بالصورة الخاطئة التي من خلالها تجمعت جملة من الأحاسيس السلبية داخل نفسية عزيز اتجاهي، لكن ذلك كان مجرد تأويلات ليست في محلها، فحينما كان يرى عزيز الصديقان أمل وإبراهيم يتبادلان حديثا أخويا، كان يراه عزيز حديثا غراميا، وحتى إبراهيم ما كان يظن أبدا من أن عزيز يأخذ ذلك مأخذ الجد، حيث أنه كان ينظر إلى أمل كونها فتاة أحلامه...لكنه لم يخبرها قط ولربما لم يستطع إخبارها أيضا. هنا نتساءل من هي أمل؟ وما دخلها في سجل العلاقة التي تجمع إبراهيم وعزيز؟وهل كان عزيز يحبها أم يخيل إلية أن يحبها؟ وهل كان إبراهيم هو الآخر يحبها أو أنه كان يفكر في أن يحبها؟وهل ذلك معقول؟؟؟؟
أمن المعقول أن يلتقيا مستقيمان متقاطعان في   نفس الملتقى؟ علميا وموضوعيا، العقل يرفض ذلك من الوهلة الأولى. لكني أظن أنه يمكن للمستقيمان الإلتقاء إن مالا ميلة واحدة وفي نفس الوقت، وهذا الانعراج عليه أن يكون هو أيضا موضوعيا مثلما يمكن للورود أن تحيا بعد أن تموت..وإن بقينا فيما هو رياضي نعطي مثال الأرقام:4+4=8...هذا منطقي، لكن إن أقحمنا ذواتنا في تغيير تفكيرنا إلى الشكل الهندسي للرقم 4 واعتبرناه يرمز إلى العدد 2 ، وكذلك نغير تفكيرنا في الشكل الهندسي للرقم 2 ونعتبره العدد 4وبهذا نحسب وبشكل مستحدث للعدد وكذا للشكل الهندسي للأرقام:4+4=2أو 2+2=8..ولو غيرنا اعتبارنا للشكل الهندسي للرقم 8 واعتبرناه يرمز إلى العدد6 فنقول في نتيجة:2+2=6...
بصراحة المستقيمان يمكنهما الإلتقاء إن طرأ تغيير بسيط على مستوى نظامهما الرياضي.
وأخذا بفحوى المثال السابق، يتبادر إلى الذهن ما فائدة ذلك؟
نعم، من الطبيعي أن ترجع المياه إلى مجاريها إن كانت هناك إرادة في ذلك،لكن ما دام المستقيمان يرفضان الإلتقاء، والأرقام لا نفكر في تغيير منظورنا إليها ، فأكيد من أن المحبة لن تزرع في أرضية غير صالحة للزراعة ولا المياه ستعود لمجراها، عفوا إن انصرفت عن أحداث القصة لكن فقط للإشارة إلى الفجوة الشاسعة التي تركتها الكلمات الطاعنة في نفس لم تكن تنوي إلا الخير والصلاح وذلك سيظهر جليا فيما سيأتي:
أمل الفتاة التي أردها عزيز ولم يخبرها إلا بعد أن رآها تبتسم في وجه إبراهيم، وغيرة منه أخبرها بما يكن لها لكن لا أعلم علم اليقين ماهو ردها إلا إن لخصت ذلك في قولها فعلا كانت تحب عزيز إلا أنها فقدت إحساسها اتجاهه ...ما دلالة ذلك؟ هل أغرمت بأحد ما؟
الله أعلم بما في الصدور، وما تكن النفوس من أحاسيس...هي الأحلام فقط التي لا توجد لها تفسيرات   منطقية حقة. وقد حلم عزيز بأن أمل   تحبني وأنا أحبها..بل نحب بعضنا ولهذا نتحدث مطولا. إن بعض الظن إثم..ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم..إن ما يجمع بيني وبين أمل أسمى من تلك العلاقات اللاشعورية والتي تسود العلاقات، لا تحسنها...ألا وهو "الإعجاب" فقط لا غير، وربما الإعجاب أفضل بكثير من كل الأحاسيس المراهقاتية الزائلة مع مرور أسابيع معدودة على رؤوس الأصابع. وقد   نقول في تعرف غير دقيق أن الإعجاب هو الممر الرئيسي للحب أو بصياغة ثانية"الإعجاب هو درجة أولى من درجات الحب"، فل يعلم عزيز أن إبراهيم ماكان ليصعد درجات الحب وصولا إلى أمل خصوصا وأن الصديق عزيز كان السباق و التواق إلى الصعود في درج الحب نحو العالم الأفلاطني الرائع...ما كان إبراهيم ليحسد صديقه الرائع، وأيضا ما كانت أمل لتعلن عن حب أفلاطوني بينها وإبراهيم، لأنه حب أخوي مزخرف بحلقات الإعجاب...هذا من جهة
أما من جهة ثانية وأخصها بالذكر، إن إبراهيم لول حاول النظر إلى أمل كمعشوقة وكحب حقيقي لوجد في ذلك اعتداءً واختطافا، كيف ذلك؟ ليكن في علم القارئ أن أمل يحبها شخص لم يسبق لإبراهيم ولا عزيز أن تعرفا عليه مطلقا إلا بعد أن تعرفا كليهما على أمل بالتتابع..وهذا الشخص إسمه"محمد"، يحبها فعلا لكن بدون جدوى حقيقة، فأمل تساير محمد فوق رغبتها في الحياة، إحتراما لمشاعر محمد النبيلة فهي تضحي من أجل أن يشعر هو بالحب، وهي لا تبث له أي حب حقيقي، بل فقط تحاول أن تعطيه حقه من وقتها الذي تقضيه مع الأصدقاء...وتوضيحا لمسألة "الإختطاف"، فإن إبراهيم يرى أنه لو أعلن عن حب اتجاه أمل لنظر محمد للمسألة أنها اختطاف وخيانة وطعن وغير ذلك، ولذلك وضع إبراهيم نفسه مكان محمد وافترض حصول ذلك عكسا، لما قبل إبراهيم وهذا ما جعله يحكم حكما مطلقا أنه لن يحب أمل ولو كرهت نفسه كرها...ومضيفا أملا في أن يتفهم من هذه الوجهة عزيز...وللقصة بقايا...
Back To Home Page
Ana mab9a fya maydhek, ohjerto ch hal hadi.je ne voudrai jamais te voir 1autre fois.safi fdina okol wahed fhalo,chui po osée pour te dissimuler!ça pour que je n'ai plus t'aimé.en tous cas:bslama hya akhirkelma.je crois que klami wadeh l2ana hadi hiya lhadra li b9at 3endi lik.point finale
09/12/2008   15:18
De: chota
------------------------------------------------------------------------------------
ollah hta dkhoul sseha hada, wellah l9assam makanbghik orani 9ssemt fomi bella hta nadmana,ohada akhir sms ghankatboulek. ohta flycèe.ila kenti mazal machefti selma lokhra.wafhem rassek .
17/12/2008       18:30
------------------------------------------------------------------------------------
Merde, tu ne comprends pa, ila tkelemt m3ak awedi rani bhalek.En plus mafya may3awed à zèro
17/12/2008                         15:39
____________________________________________________________
C bi1 pour toi,malgré tu ne ss pa ce qui mon coeur va choisir! Et faites 1 grande croix sur mon num.
salam
(10:29) salma: wa3alaykom salam
(10:29) تستطعون قطف كل ا: ca va
(10:29) salma: ntouma fach ibghikoum lwahed mayl9aaaaaaaaaaaaakoumch!
(10:29) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:29) تستطعون قطف كل ا: finta bgitina yak labs
(10:29) salma: kane9ssed toi seul
(10:30) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:30) تستطعون قطف كل ا: malki
(10:30) salma: bghitek tgoul lhadak khayna,mayb9ach isiftli sms  
(10:31) salma: rah daba 9bila siftli sms zmer safi,osiftouli 3la 2
(10:31) salma: ana ghir 9ritou mssehtou
(10:31) salma: onsit mamseht 2eme dyalou
(10:31) salma: et mtn mama haza pourtabli
(10:31) salma: kheft late9rah ou lprobl m3aha hta baba
(10:31) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:32) تستطعون قطف كل ا: iwa ana gdi ngaolah lih  
(10:32) salma: daba lighaytraghaytra onakhoud ana lhedra!
(10:32) salma: la meeeeeeeeeeeerde safi
(10:33) تستطعون قطف كل ا: oui iwa an aakhti gadi nagolih had hadar howa i9arar
(10:33) salma: ana fachgetlou dik lkhetra hada akhir sms 3nitha,mais kaybanli hta hwa fach 9ali rouuuuuuuuuuuubama akhir sms 3naha
(10:34) salma: mazaaaaaaaaal 3ad i9erer! chnou i9erer
(10:34) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:35) تستطعون قطف كل ا: salma ana gadi nagolih had hdar ou nadwai ma3h mais hta nti fahmih rah mafahmtih walo
(10:35) salma: c impossible ikpoun ldarajat hadlblaaaaaaaaaaaaaaaaada
(10:36) salma: chnou li fiha maytefhemch,makanbghiiiiiiiiiiiiiiiihch
(10:36) salma: fiha chihaja mamfhoumach
(10:36) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:36) تستطعون قطف كل ا: mafhoum walkin basarh how bagya ia3rfa 3alch kanti mazyan ma3ah ou wa7d la7da galtlih maknbgich hachi li bagi ia3raf
(10:38) تستطعون قطف كل الزهور لكن لن تستطيعوا و قف زحف الربيع" غير مُتصل الآن
(10:41) تستطعون قطف كل ا: salam chati fi sms lyoum fi lil ok
(10:41) salma: bhal daba ana galssa obali mechtoun m3a baba lpourtable ila tah fidou mchit fiha
(10:42) تستطعون قطف كل ا: oui
(10:42) تستطعون قطف كل ا: iwa saprim msajat ta3o
(10:42) salma: wkelt   3la had zmer hachak   howa li9ad 3lih
(10:42) salma: osmehli ila kandirounjik bhad lhedra mais hada maythenNA hta isiftni lghbila!
(10:42) تستطعون قطف كل ا: oui
رهان ترسيخ و تحصين السلوك المدني : مسؤولية الأسرة و المدرسة و المجتمع برمته
لا يمكن الحديث اليوم عن مقاربة تحليلية وموضوعية لواقع الإصلاح التربوي ولمجرياته الراهنة و الاستشرافية ، دونما تأكيد على عمق الروابط الطبيعية و الحتمية بين الأسرة و المدرسة كمؤسستين اجتماعيتين تقليديتين تضطلعان بمهام التنشئة الاجتماعية ، وترومان معا من خلال أدوارهما الحيوية المتقاسمة بناء الإنسان و بالتالي ترصيص بنى المجتمع ، و التصميم الاستباقي لملامح مستقبله ، مع ضمان توارث وتناقل خصوصياته الحضارية و الإنسانية .
وتنافسهما في هذه الوظيفة التربوية باقي المؤسسات الإجتماعية الحديثة : من مؤسسات للإعلام و الاتصال و التواصل ، وجمعيات مدنية ، ونوادي ومنابر فكرية وثقافية و فنية اجتماعية ورياضية سواء داخل القطاعات الحكومية أو غير الحكومية ، كمؤسسات أقطاب للإنتاج و الإشعاع و التأطير الإجتماعي في المجتمع المعاصر، و التي أصبحت تحتل مكانة متنامية في عالم التربية و التكوين بفعل توسع مد الحداثة و التجديد والانفتاح بين مختلف مكونات المجتمع المدني ، وبلورة المجتمع لتعاقدات مكثفة ومتنوعة نتيجة التطور السريع و المتلاحق لمنظومة الإعلام و التواصل ، و تطور التفاعل الفكري والثقافي الوطني و الكوني ، واكتساح العولمة بتياراتها الجارفة للمسرح العالمي ولمنظومة العلاقات فيه.
و بذلك تكون كل من الأسرة و المدرسة بوجه خاص ـ نظرا لتداخل و تقاطع وظيفتهما التربوية ـ يسعيان معا إلى تحقيق مقاصد وقواسم مشتركة ، و في طليعتهما تحصين المكتسبات الاجتماعية المتراكمة ضمانا لتناقل مقومات الحضارة الوطنية وثوابتها عن طريق بناء فكر وثقافة تربوية مدنية مسؤولة يتم ترجمها في الواقع الحياتي سلوكيا في شكل روابط و علاقات ومبادرات ومواقف وقرارات وممارسات ناضجة ومعقلنة تجاه الأفراد و الجماعات والمؤسسات . وهي مهام جسيمة تشكل مجتمعه المرآة العاكسة لمنظومة الأخلاق و القيم الشائعة في المجتمع و الدالة على مؤشرات تماسكه و صلابته ومناعته وتوازناته . و إن التداخل في وحدة هذا الرهان أمر يفرض نفسه، رغم رصد عدة تباينات في المواصفات والإطارات التربوية للمؤسستين على مستوى المقومات و الشروط المعنوية و المادية المؤطرة للتربية فيهما .
ففيما يتعلق بالفضاء التربوي للمؤسسة التعليمية، نجده يمتاز بطابعه المؤسساتي النظامي الرسمي و بالتالي تخضع الهندسة التربوية لمرافقه لتنوع أدوارها التربوية : من إدارة وقاعات للإجتماعات و الندوات ، وساحة للاستراحة ، ومجال أخضر ، و أقسام للدراسة ، ومختبرات ومخادع ، وملاعب رياضية ، وقاعات مختصة ، ونوادي تربوية ، ومسجد ، وموقف للسيارات ، ومرافق صحية ...
وتعد الحياة المدرسية في هذا الفضاء عبارة عن مجتمع صغير قائم بذاته يعج بالحركة و النشاط و التدفق و الحياة ، وتروج فيه قضايا و أنشطة وتظاهرات متنوعة ومكثفة ترنو كافة إلى تأطير المشهد التربوي و التكويني الوطني . ويسهر على تدبير شؤونه أطر متخصصة في الشأن الديداكتيكي و البيداغوجي و التدبير الإداري التربوي بشراكة مع فرقاء المحيط .
وغالبا ما يتم اختيار موقع المؤسسة التعليمية عن طواعية من طرف الأسرة ، استنادا إلى المعطى الجغرافي لمحيطها .
وتتحدد شتى مقومات الحياة المدرسية انطلاقا من النسيج التفاعلي المعرفي الفكري و التربوي، ونوعية التجاذبات الوجدانية بين المتعلم وجماعات الأنداد من جهة وبينه وبين الراشدين حوله من جهة أخرى .
كما تتحدد بداية المسار الدراسي مع المراحل الأولى للطفولة المبكرة عند النشء ، وتكون موازية لفترة التعليم الأولى كمحطة جد خاصة ومتميزة موشومة بالانتقال المفاجئ من الحضن الدافئ و اللامشروط للأسرة إلى بيئة نظامية أوسع تخضع لقوانين دقيقة ونظام حياة خاص . وقد يحتضن هذا المسار الأطفال الرضع كذلك بواسطة دور الحضانة، تحت ظروف العمل القاهرة لأوليائهم .
هذا في الحين الذي يتحدد فيه انتماء الطفل إلى أسرته في جو مطلق من التلقائية وفي منأى عن ميزة الاختيار الطواعي لذلك ، كما يشكل الفضاء الأسري النواة الاجتماعية الأولى و الوكر الدافئ للتنشئة الحياتية الأولى للطفل منذ ولادته . وتعتبر كل أسرة بيئة تربوية جد خاصة ومتفردة في خصائصها في ارتباط مع شروطها المادية والذوقية و الثقافية ومع إرثها الاجتماعي المحلي ... وتدور فيها مختلف العلاقات والروابط و التجاذبات حول رابطة القرابة الدموية بشكل أساسي .
أما فيما يخص آليات و إطارات تمرير الخطاب التربوي الرسمي في المدرسة ، فهي تتجسد من خلال المناهج الدراسية وما يدور في فلكها من: مضامين علمية ، ومقررات، وكتب مدرسية وترفيهية، ومداخل بيداغوجية ، وطرق ووسائط ديداكتيكية ، هذا بجانب وباقي أنشطتها و إشعاعاتها الموازية، ونواديها الفنية و الرياضية ...
وهو خطاب يستمد منطلقاته وتوجهاته الكبرى من فلسفة النظام التربوي العام وغاياته المثلى ، ومبادئه و أسسه ومرتكزاته ، واختياراته الإستراتيجية . وتخضع السيرورات التربوية فيه للتخطيط و الدراسة و التحليل و التجديد و التقويم، عن طريق المساءلة والتدقيق و التتبع و التصحيح باستمرار للحد من الشوائب و الاختلالات المشوشة لها والمرصودة في الواقع الميداني التعليمي . ويتم تجسير العلاقات بين شتى أطراف السلطات التربوية تحت النفوذ المباشر للوزارة الوصية مع التنسيق التام و الكامل بين مراكز القرار الوطنية ونظيرتها على المستوى الجهوي و الإقليمي و المحلي .
وتستمد المؤسسة التعليمية مشروعيتها وموضوعيتها من حيادها المعرفي / الفكري و التربوي في منأى عن أي مساومة رخيصة أو نزوعات مذهبية و إيديولوجية مخلة أو محرفة لمبادئها أو مفاهيمها أو غاياتها الاجتماعية، وتنبني قراراتها على مبدأ التوافق والمصلحة العامة المشتركة .
بينما تتحكم في مجريات التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة ، عوامل داخلية شتى كدرجة التماسك و الوعي و النضج الثقافي السائد فيها ، ومدى تشبعها بسلوكات التعايش و التفتح و الاحترام المتبادل بين أطرافها ... هذا إلى جانب عوامل أخرى خارجية مرتبطة بالبعد المادي والنظام الحياتي العام للأسر داخل محيطها المحلي المباشر وما تفرزه من مؤثرات سوسيوثقافية قوية. وهي عوامل تتحكم مجتمعه في تحديد مستوى النضج في العلاقات الأسرية تربويا ، و طبيعة طرقها ونوعية أساليبها التربوية ودرجة ضبط الآباء لمهام تأطير التنشئة الاجتماعية لأبنائهم قصد تحقيق التوازنات الاجتماعية المتوخاة .
ورغم هذه التباينات تتميز الأسرة بكونها الخلية المجتمعية الأولى المسؤولة على بناء المجتمع وتحصين تقاليده و أعرافه عن طريق توظيفها للسلطة التربوية الأبوية الطبيعية والبديهية و التي تكون موازية لأدوار الاحتضان العاطفي للأبناء وضمان نموهم السليم والمتوازن معنويا وماديا . وكثير من المرجعيات الفكرية تشيد بخصوصية دور الأم وإشعاعها العميق في نحت الصور التربوية الانطباعية العميقة الأولى عند النشء . كما أن علاقات التجاذب عموما بين أطراف الأسرة تكون أقرب منها إلى الجانب العاطفي الفطري . وتمتاز الحياة الأسرية على مستوى وتيرة انسيابها عموما بالتلقائية، وكثيرا ما تعصف بتفاعلاتها اليومية مجموعة من الأزمات وتصيبها رجات عنيفة تتجلى بالتدريج بالموازاة مع نمو الأطفال وبلوغهم سن المراهقة بشكل خاص ـ في إطار ما يصطلح عليه في بعض المرجعيات السوسيولوجية " بصراع الأجيال " ـ وهو تذبذب في العلاقات كثيرا ما يدعو الآباء إلى مراجعة الذات و أساليبهم في التربية بحثا عن المصالحة وتخليق أكبر للحياة الأسرية . وبذلك تسجل وقفات تصحيحية في مسار هذه العلاقات على نفس الدرجة من التلقائية، لكن خارج كل من مفهوم أو إطار النظام المؤسساتي وما يدور في فلكه من مفاهيم مرتبطة بالتخطيط و التتبع و المراجعة و التدارس و التقويم ...
ولا جدل في كون التمثلات التربوية المكتسبة في ظل الأسرة تنتقل في شكل تأثيرات سلوكية وفكرية ومواقفية إلى كل من المدرسة و المحيط الاجتماعي ، مما يبرز جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقها في مجال اكتساب ورسيخ حس التربية المدنية الصحيحة لدى أبنائها .
كما ينطبق مفهوم الاستثمار على التربية الأسرية لتسخير الأسرة لكافة طاقاتها المعنوية و المادية لتنشئة أبنائها على المواطنة الصالحة، و لقيادتها لمعركة هادئة وطويلة الأمد في هذا الاتجاه. ويعتبر الميلاد نقطة الانطلاق الأولى في هذا المسار ، في الحين الذي تعتبر فيه الاستقلالية الاجتماعية المهنية و الأسرية عند سن النضج بمثابة مفترق الطرق و نقطة التحول الكبرى في العلاقات و التأثيرات المتبادلة مع الأسرة .
أما عن الوظيفة التربوية للمدرسة، فنجدها تتداخل مع وظائف أخرى تضطلع بها هذه المؤسسة الإجتماعية النظامية توجد على قدر كبير من الاندماج . فإلى جانب وظيفتها التربوية المركزية، تسهر المدرسة على وظيفة بناء واكتساب المعرفة المنهجية والمنظمة و المتناغمة مع توجهات المجتمع و النظام التربوي العام ،عن طريق أساليب التعليم و التعلم. و يتم الارتقاء في مستويات التحصيل المعرفي الفكري بالموازاة مع اكتمال النمو الإدراكي و الحس حركي والوجداني للمتمدرسين ، ومع تقدمهم في عامل السن وتطور نضجهم السيكولوجي العاطفي و الجسماني .
وهي وظيفة ترتبط بوثوق بإعطاء المتعلم الفرصة الحقيقية لشحذ طاقاته ، وتشجيع فكره الإبداعي، وتطوير منهجيته في البحث العلمي ، ومبادراته الذاتية الخلاقة ...
كما يتم التعليم و التعلم في جو من التفاعلات الجماعية الصفية تحت توجيه وإشراف القائد التربوي / المدرس ، مما يفرض على المدرسة تطوير وبلورة منظومة سلوكية تنهل روحها فكرا وممارسة من قيم : التعايش ، و التآزر ، و القبول بالاختلاف والتنوع، و الاحترام المتبادل ، و الكرامة، و المساواة ... وهي مكتسبات سلوكية تمتد حتما إلى قلب الفعل الاجتماعي خارج أسوار المدرسة ، لتشمل كلا من الأسرة و المحيط.
كما تقوم المؤسسة المدرسية بوظيفة التأهيل الاجتماعي بإعداد النشء للاندماج في الحياة العملية بعد التخرج والتكوين عبر أسلاك تعليمية متكاملة، بغاية تكييف المنتوج المدرسي/التلميذ مع رهانات المشروع المجتمعي السوسيومهنية . ولذلك تتولى المدرسة تطوير مجموعة من القدرات و المهارات و الكفايات لدى المتخرج و المتناغمة مع هذه الغايات السوسيومهنية .
وتبعا لهذا المعطى يتأكد البعد المقاولاتي للمؤسسة التعليمية في التربية المدرسية الحديثة ، لقيام مشروعها التربوي التكويني على مفاهيم: كالاستثمار، والجودة في الآداءات، وإعداد المنتوج النهائي / التلميذ المتخرج في مستوى الرهانات السوسيوتنموية للبلاد على المدى القصير أو المتوسط أوالطويل.
كما تمتاز السيرورات الدراسية بالتسلسل و التكامل و التدرج في درجات الصعوبة و التعقد منذ ولوج المدرسة في طور التعليم الأولي إلى التخرج ، مرورا بأسلاك تعليمية متسلسلة ومترابطة ومندمجة . و إن علاقة النشء بالمدرسة قابلة للتجدد ما دام المتخرج في موقع الأب و الأم يسهر على تمدرس أبنائه ، مما يكسبها طابع المؤسسة الإجتماعية المصيرية التي لا محيد عنها، باستقطابها لمختلف الأجيال بفعل منطق التداول و التعاقب ضمانا لاستمراريتها في قلب المجتمع ككيان وجودي ملازم له. في الحين الذي تتسم فيه علاقة الإبن بالأسرة بالاسترسال و الامتداد غير القابل للانفصام أو القطعية ، رغم الاستقلالية الذاتية المعنوية و المادية عند النضج و بلوغ سن الرشد .
وبناء على هذه المقاربة التحليلية نخلص إلى كون أطروحة ترسيخ و تحصين السلوك المدني/التربية على المواطنة الصالحة، قضية جوهرية ترقى إلى مصاف الاهتمامات المركزية في كل من الكيان التربوي الأسري و المدرسي معا رغم تباين ظروف التنشئة الاجتماعية فيهما ، لتربع الإنسان على قمة اهتمامتهما المشتركة في صلب معركة التنمية الاجتماعية المستديمة للمجتمع المعاصر. وهي بذلك مسؤولية مجتمع برمته ، تعمقها وتخصبها كل المؤسسات المدنية المنتجة و المشعة فيه .
وبذلك يرتبط السلوك المدني مفاهيمها بعدة أبعاد تربوية قيمية / أخلاقية وحقوقية واجتماعية متداخلة ومندمجة ، تصب كلها في تجاه بلورة ذات وطنية وكونية مسؤولة ومتوازنة ومتكاملة، تمارس وجودها الاجتماعي في ظل منظومة تربوية مدنية منسجمة فكرا وثقافة وسلوكا .
وهي منظومة ذات كينونة متراصة تأبى التصدع أو التفكيك ، وتتبلور في قلب الفعل الاجتماعي اليومي الذي يجسده امتثال النشء للقانون و للنظام العام ، واندماجه المسؤول في الاختيارات الديموقراطية للبلاد ، وممارسته لحقوقه وواجباته المدنية بوعي ونضج ، وتهذيبه للذات ، وبلورته الملموسة لمفاهيم الحرية و المساواة و التسامح والكرامة، وإيمانه بالسلم ... لذلك نجدها ترقى إلى مفهوم التربية المدنية المنافية للتطرف أو التعصب أوالإنحراف عن المقدسات و التوابث الكبرى للمجتمع وما يرتبط بها من ممارسات لاأخلاقية ولامسؤولة من : فوضى ، أوتخريب للممتلكات العامة ، أونزوعات عدوانية ...تفقد المجتمع توازناته الطبيعية .
ولا جدل إذن في كون الحاجة إلى تربية النشء على الثقة بالنفس و التحلي بروح التفاؤل ومساءلة الذات في علاقاتها مع الآخر وعقلنة المبادرات و القرارات المرتبطة بالسلوك الاجتماعي ، قادت المختصين في التربية إلى تجديد المداخل البيداغوجية كركيزة أساسية في منظومة إصلاح التربية و التكوين . من ثم جاءت بيداغوجيا الكفايات كخيار استراتيجي لتأطير قضايا التحديث التربوية والقائمة على تشجيع المبادرات الذاتية وثقافة التميز و الإبداع، وبالتالي قادت إلى تجديد الطرق و الوسائل البيداغوجية للتعليم والتعلم. وهي مداخل تموضع التلميذ المتعلم في صلب الفعل التربوي، كقطب مركزي تتمحور حوله كافة الاهتمامات و القرارات و أشكال التدخل و التقويم .
و الغاية من ذلك بناء شخصية متوازنة تكتسبه مناعة حقيقية ضد أنماط التبعية والاستيلاب و العنف ، كمظاهر لطالما كانت مألوفة في أوساط المدرسة التقليدية . وهو أمر كان مرشحا بانتقال و تسرب مثل هذه التأثيرات السلبية إلى المجتمع، بإفرازها في شكل سلوكات متطرفة ومنحرفة قد تؤدي إلى اختلالات ولا توازنات مقوضة للسلم والطمأنينة فيه.
ويعتبر ورش تنمية السلوك المدني ـ نظر لأهميته القصوى في مراهنته على العنصر البشري ـ مؤشرا دالا على جودة النظام التعليمي ، وقد حضي باهتمام كبير في التوجيهات الملكية السامية وفي نص الميثاق الوطني للتربية و التكوين ، ويؤكد على أهميته البالغة أيضا المشروع الصادر عن المجلس الأعلى للتعليم ـ كهيئة عليا تتولى مهام مساءلة قضايا التربية و التكوين وتقويم سيروراتها ـ و الذي تقدم بعدة اقتراحات عملية وظيفية بصدده .
بناء عليه يتأسس الدخول التربوي للموسم الدراسي الراهن 2007 – 2008 حول شعار : " الأسرة و المدرسة معا من أجل ترسيخ السلوك المدني " بغاية تعبئة كل الطاقات الاجتماعية للاشتغال على هذا الملف الحيوي وضبط مؤشراته على أرض الواقع خارج السياجات الضيقة لمفهوم الظرفيات المناسباتية العابرة .
ويبقى المجال مفتوحا للاجتهاد و التفكير بواقعية قصد ايجاد الآليات الناجعة الكفيلة ببلوغ هذه المرامي و المقاصد ، ومنها في رأيي المتواضع :
· تعميق التواصل بين المدرسة وجمعيات أولياء و آباء التلاميذ ـ كآلية فعالة للتشاور والتنسيق و اتخاذ القرارات وفق مقاربة تشاركية ـ من أجل التعاون على تدبير قضايا التربية المدنية وتجاوز الصعوبات و الاختلالات المرصودة في ممارستها في كل من الأسرة و المدرسة ( كأزمة العلاقات ، الميول إلى العنف...).
· التأسيس لميثاق قيمي أخلاقي وحقوقي على صعيد المؤسسة التعليمية تحت إشراف مجالس التدبير و بإسهام من طرف تلامذتها ، كإطار تعاقدي جماعي قابل للتعديل و التجديد و التدارس سنويا .وهو تصور يطابق الاقتراح الوارد في تقرير المجلس الأعلى للتعليم بصدد وضع مدونة تربوية . و الغاية منه الاتفاق حول مبادئ ومكونات منظومة الحقوق و الواجبات و القيم في الحياة المدرسية، وضبط مؤشرات ممارستها مدنيا .
· تعميم تحية العلم و النشيد الوطني في كل المؤسسات التعليمية كواجب يومي مقدس يقوم به التلاميذ في مواعيد مضبوطة ، لما له من دور فعال في إذكاء حسن الانتماء الوطني .
· تعميم وتشجيع انتشار نوادي التربية على المواطنة في البيئة المدرسية ، وتبادل خبراتها و أنشطتها الرائدة، و التفعيل الحقيقي لآلياتها و أدوارها ، و توسيع دائرة إشعاعها في المحيط ، وتوثيق إنتاجاتها وضمان نشرها ...
· تشجيع النوادي الفنية و التثقيفية و الرياضية و التكنولوجية الحديثة في المؤسسات التعليمية، كآليات فاعلة لتطوير ثقافة وسلوك التربية المدنية والمرشحة لتهذيب الطباع وتطوير حس الذوق الجمالي الروحي للمتعلمين .
· الاهتمام اليومي بالتربية البيئية في الحياة المدرسية الوحدة المرتبطة برونق وجمالية البيئة في فضاءاتها ، مما يعمق الشعور بقيم وسلوكات التعاون و التكثل، و ينمي حس الانتماء إلى المؤسسة، ويذكي الغيرة المشتركة على ممتلكاتها ...
· وضع جدولة سنوية لتنظيم الأيام الدراسية و تخليد المناسبات الوطنية و العالمية المرتبطة بمنظومة القيم و الحقوق لخدمة قضايا التربية على المواطنة ، مع إسهام المتخصصين و التلاميذ معا في تأطيرها وتدبيرها ورشاتها ...
· التقويم المستمر للخطاب التربوي المدني المتضمن في المناهج الدراسية ومكوناتها من برامج ومقررات وكتب مدرسية وطرق تربوية ووسائل دعم ديداكتيكية، لتطويرها وتجديدها وضمان فعاليتها الوظيفية ، ضدا عن التمثلات أو الصور الانطباعية المجهضة لرسالتها التربوية السامية .
· ضبط مؤشرات الدمقرطة للعلاقات في الحياة المدرسية بين المربين و التلاميذ وتصحيح مسارها ضد سلوكات العنف و الزجر و العقاب و الدونية... وهو طرح لا يمكن بلوغه دون اكتساب الأطر التربوية و الإدارية لكفايات مهنية جديدة تستوعب فلسفة التربية الحديثة. وتبقى برامج التكوين الأساسي و المستمر الآليات الفعالة لتحقيق هذا الرهان ، واكتساب منهجية بيداغوجية معقلنة لتدبير أزمة العلاقات تجاه التلاميذ بوجه خاص .
· توسيع دائرة التعاون و التعبئة بين المؤسسة التعليمية و نظيرتها الإعلامية ، من خلال القيام بدراسات وحملات توعية مشتركة في مجال السلوك المدني وتوظيف روافدها الجماهيرية المتنوعة من : أنترنيت ، وصحف إلكترونية ، وبحوث ، وتجارب تربوية ...تمتد تأثيراتها بعمق إلى الأسرة و المحيط .
· إيجاد شراكات واسعة تربط المؤسسات التعليمية بفعاليات المجتمع المدني ( من جمعيات نشيطة ، ونوادي ، وخزانات عمومية ، ودور ثقافية وفنية ، ومراكز لغوية، وسينما ...) من طرف لجان تربوية مختصة في البحث عن مثل هذه التعاقدات الاجتماعية ، لتعميق الوعي بتنمية السلوك المدني في المدرسة و الأسرة و المحيط .
وختاما لا بد من مساءلة الواقع التربوي بإثارة عدة إشكالات محورية حول الآفاق الواقعية لتدبير هذا الورش التربوي البالغ الأهمية :
· إلى أي حد تستجيب مكونات المجتمع من أسرة ومدرسة ومؤسسات مدنية لهذا التحدي الوطني المشترك بشكل يتجاوز مجرد مفهوم الظرفية الشعاراتية، بالعبور الميداني الحقيقي إلى التكثل الفعلي والمستمر والتدخل العملي التأسيسي لوضع برنامج عمل موحد يطول كل امتدادات الفعل الاجتماعي، مع ضمان استمراريته داخل الإطار اليومي المنظم لطبيعة الاستثمار الإنساني الطويلة الأمد في مجال التنشئة الاجتماعية ؟
· إلى أي حد يمكن تجاوز بعض الذهنيات العتيقة المتهيبة من التجديد و التغيير في تصحيح اتجاه العلاقات بين الراشدين و النشء ؟ وما هي الوسائل الشفافة الكفيلة بقياس درجات الاستعداد لهذا التغيير ، استجابة لدمقرطة حقيقية لمنظومة العلاقات المدنية؟ خاصة و أن المربي مهما كان موقعه الاجتماعي يعتبر القدوة و النموذج الوطني الحي لأبناء المجتمع على مستوى السلوك المدني / الاجتماعي بوجه خاص .
· إلى حد يمكن تحقيق وتعميق نهج التعاقدات الشراكية بين الأسرة و المدرسة وباقي القوى الحية المجتمعية بشكل واسع لإخصاب هذا الورش بشكل حقيقي وفعال لبلوغ غاياته المتقاسمة ؟
فمن المؤكد أن رهان السلوك المدني قد يصبح عرضة للبثر أو التلاشي في غياب أي طرف اجتماعي أو آخر في مكونات المجتمع ، لأن دينامية البناء ذات طبيعة رهانية مشتركة ومندمجة، وتعتبر قضية المجتمع قاطبة ... قضية المغاربة بكافة شرائحهم واهتماماتهم ومستوياتهم .
إنها الورش الحيوي الملزم لكل الأطراف من أجل البناء المتوازن للذات الوطنية الديموقراطية، و بالتالي العبور الجماعي إلى رهان ترسيخ التربية المدنية كرافعة أساسية وجوهرية في مسلسل التنمية البشرية للمغرب الطموح و المتجدد في مطلع الألفية الثالثة.
ذة. فائزة السباعي
مفتشة مركزية بوزارة التربية الوطنية
------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
المدرسة والسلوك المدني [/align]
:مقدمة
يكتسي التفكير في موضوع السلوك المدني أهمية كبرى بالنظر لعلاقته العضوية بمنظومات القيم من جهة، وبتطور المجتمعات وبدرجات الوعي بمكانة الأفراد وموقع المؤسسات داخلها، وبنوعية العلاقات التي تربط فيما بينهم من جهة ثانية.
كما تعبر تنمية السلوك المدني عن الحاجة إلى ترسيخ علاقة واضحة وواعية فيما بين الأفراد وبينهم وبين مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة، تنبني على احترام الحقوق والواجبات الدينية والقانونية والأخلاقية ...
ولا شك أن هذا الموضوع يستمد وجاهته بالنظر إلى عوامل أساسية :
عامل كوني يتجلى في تطور المجتمعات والحضارات الإنسانية، والوعي المتزايد بأهمية الإنسان كقيمة في حد ذاته؛
عامل محلي يظهر في التحول الاجتماعي الذي أفرزه التطور التاريخي للمجتمع المغربي؛
عامل تربوي يتجلى في دور وأهمية مؤسسات التربية والتكوين في تنمية السلوك المدني كمؤشر على الوعي بالحقوق والواجبات.
وباعتبار أهمية وفعالية القيم في التغيرات والتحولات التي تشهدها المجتمعات في مسار تاريخها الاجتماعي، فإن الاهتمام بموضوع السلوك المدني يشكل لحظة تأمل ضرورية تستدعي معرفة ملامح ومظاهر التحول الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع المغربي، كما تستحضر نوعية التغير الذي يطال منظومة القيم فيه، وذلك بالعلاقة مع التحولات الكاسحة التي يعرفها العالم على مستوى القيم والأنظمة المرجعية الثقافية والاجتماعية، وفي أفق بناء الإنسان المواطن الذي عليه تنمية الوطن وتحقيق نهضته.
1. دلالات المفهوم وتجلياته :
1.1. من التعدد الدلالي إلى محاولة التحديد الإجرائي
يندرج مفهوم "السلوك المدني" في شبكة مفاهيمية واسعة، تتداخل فيها المعاني وتتعدد الدلالات، وإذا كان هذا المفهوم بمكونيه: السلوك والمدنية يحيلان في نفس الوقت إلى الأخلاق والإيتيقا، وإلى التمدن كحالة مجتمعية ترادف التحضر؛ فإنه يستدعي، في الآن ذاته مفاهيم أخرى محورية، مثل : الديموقراطية والمواطنة والوطنية واحترام حقوق الإنسان، والمدنية، والحس المدني والتربية المدنية، أو التربية على المواطنة أو التربية على حقوق الإنسان. لذلك تعكس المصطلحات المستعملة في مجاله الواسع، والمرادفات التي يحيل عليها في أحيان كثيرة؛ تطورا تاريخيا وسياسيا للمجتمع، وكذا تحولا في القيم الأخلاقية والإنسانية؛ فإذا كان الحس المدني مثلا يعبر عن الفضائل الضرورية للسلوك الفردي والجماعي، فإن التربية على المواطنة تهدف إلى تحديد وفهم العلاقات القانونية التي تضبطها قوانين وتشريعات الدولة، بينما تسعى التربية على حقوق الإنسان إلى التعلق بالقيم الكونية للإنسانية جمعاء. وهكذا فإن أي مصطلح من المصطلحات المذكورة له معناه وهدفه الخاص وسياقه التاريخي.
هناك إذن معنيان يعكسان تطور المفهوم :
معنى عام يشمل واجبات المواطن(ة) ومسؤولياته في علاقته بالدولة من جهة، وبالمواطنين من جهة ثانية ؛
ومعنى خاص يحدد الفضائل الضرورية الواجبة في تنشئة المواطن(ة) الصالح، المتمتع بالحس المدني والانضباط والإخلاص للمجموعة الوطنية
إن هذه المعاني التي ارتبطت بتطور المفهوم في الثقافات الغربية اليونانية واللاتينية والمعاصرة، تظهر بوضوح في مفهوم التربية في الثقافة العربية وفي التراث الإسلامي الديني والفكري. فهي تعني التأديب من جهة، والتهذيب من جهة ثانية. فالتأديب هو توجيه الطفل(ة) نحو الانضباط والانتظام، أي تلقينه قواعد الضبط الأخلاقي الاجتماعي، أما التهذيب فغايته طبع النفس البشرية بالفضائل الدينية والأخلاقية، وهي فضائل أخلاقية وعقلية في نفس الوقت. فغاية التربية الإسلامية هي توجيه السلوك الفردي من جهة، وتنظيم الحياة الاجتماعية من جهة ثانية.
إن هذا التعدد الدلالي الذي يرتبط بمفهوم تنمية السلوك المدني، والذي يحيل إلى حقول واسعة مثل القانون والأخلاق وقواعد السلوك وأنماط التربية، بقدر ما يغنى تحديد المفهوم نظريا بقدر ما يجعل تحديده على صعيد الممارسة صعبا وغير يسير. إلا أن هناك مجموعة من التحديدات الأولية تمكن من تشخيص هذا المفهوم في عمليات أساسية لها بعدها التربوي مثل:
ترسيخ مبادئ وقيم المجتمع في انفتاحها على القيم الكونية؛
معرفة المؤسسات والقوانين والمعايير الوطنية والالتزام بقواعدها؛
فهم قواعد الحياة المجتمعية بمعناها الواسع، واكتساب حس المسؤولية الفردية والجماعية؛
الوعي بالحرية في التفكير والتعبير وفي ممارسة الحياة العامة والخاصة مع احترام حرية الآخرين
إعمال الفكر النقدي والدفاع عن الرأي.
وذلك مع اعتبار تأسيسها على قاعدة قبول الآخر والحق في الاختلاف عنه، وانطلاقها من المبادئ العامة لانتظام الحياة المشتركة بين الأفراد.
1.2. التجليات الأساسية للمفهوم
يتجلى مفهوم السلوك المدني أساسا في:
احترام الفرد لمبادئ ومقومات وثوابت مجتمعه ووطنه وهويته وأرضه وبيئته ؛
إدراك الفرد لوجوده كعضو داخل جماعة (الجماعة بمفهومها الواسع الحديث التي تبدأ بالأسرة وتنتهي بالمجتمع الإنساني) ؛
استحضار الوازع الأخلاقي ؛
الالتزام بالواجبات واحترام الحقوق ؛
اعتماد مبادئ العدالة والديموقراطية والإنتاجية والتضامن اجتماعيا وسياسيا وتربويا ؛
ممارسة الحرية في إطار المسؤولية ؛
احترام الأفراد والجماعة لمبادئ وقيم حقوق الإنسان ؛
المشاركة في الحياة العامة، والاهتمام بالشأن العام.
وبشكل عام تتجلى تنمية السلوك المدني في "إكساب أفراد المجتمع بطريقة عملية وفعالة مبادئ السلوك الاجتماعي في البيت والمدرسة والشارع والأماكن العامة وعند ممارسة المهنة، وكذلك مبادئ احترام الغير وتقبل رأيه ومساعدته والتضامن معه وتجنب إلحاق الضرر به، وذلك بخلق ضمير اجتماعي لدى كل مواطن(ة) يستند إلى قيم التعاون والعدالة والديموقراطية وحب الوطن والغيرة عليه وتوظيف كل الطاقات لبنائه ورفعته لأداء رسالته الحضارية كجزء من الحضارة الإنسانية".
1.3. ما المقصود بتنمية السلوك المدني ؟
حين يتعلق الأمر بتنميةٍ السلوك المدني، فإن ذلك يحيل مباشرة إلى مسألتين أساسيتين :
كون هذا السلوك مكتسب عن طريق التنشئة المجتمعية، وكونه حاضر بتجلياته ومظاهره في العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات: مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع؛
كونه كسلوك فردي واجتماعي غير مطلق وغير ثابت بل هو قابل للتطور، ومن ثم، لا بد من تنميته وفتح آفاق استثماره لترسيخ التمدن وقواعد المدنية داخل المجتمع.
وإن الحركية بين المكتسب وبين تنميته وترسيخه، تندرج مباشرة في مجال التربية باعتبارها تنشئة اجتماعية، وتحيل إلى مؤسسات التربية وأدوارها الأساسية والمركزية.
==============================================================================================================
واعتبر مقاربة السلوك المدني وحسن المواطنة في علاقتها بالمؤسسة التربوية يستدعي استحضار خمسة مقومات رئيسية و هي:
أولا. الاقتناع الجماعي بكون المدرسة هي مرآة متجددة لمعالم مجتمع الغد ولأن تحصين المجتمع يبدأ من تحصين المؤسسة.
ثانيا. اعتبار السلوك لمدني بالأساس منظومة قيمة أخلاقية متكاملة لا تقبل التجزيء، وتتخذ مسارين متوازيين، هما مسار تشبع بقيم المواطنة الكاملة وإشاعتها، ومسار التصدي الحازم للسلوكات اللامدنية بمختلف أشكالها عبر محاربة العنف والغش والرشوة وسوء المعاملة و غيرها من الممارسات اللاأخلاقية التي يكون وقعها أكثر خطورة حيث تتسرب إلى المؤسسات التعليمية.
ثالثا. تجلي رهان المدرسة في مجال التربية على السلوك المدني يكمن في مدى قدرتها على تجسيده ثقافة و ممارسة، و تحويل الوعي و الاقتناع به إلى الالتزام وفعل ذلك بوصفها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية وراعية للقيم، ضرورة جعل البرامـج والوسائل التعليميـة تستوعب بطـريقة مبسطة، مبتكرة ومعاصـرة، المفاهيم و القيم و القواعد المرتبطة بالسلوك المدني وان تكون مكتسبة لدى المتعلمات و المتعلمين.
رابعا . الإقرار في كون النهوض بالسلوك المدني يعد مسؤولية مجتمعية متقاسمة تتولها المنظومة التعليمية، إلى جانب الأسرة و وسائل الإعلام وكذا المؤسسات ذات الوظائف التربوية الثقافية التأطيرية.
خامسا. النظر إلى التربية على السلوك المدني بوصفها انشغالا دائما منفتحا متجددا، يرتكز على آليات للرصد و التتبع و على تثمين المبادرات المتميزة، وتعميم الممارسات الناهجة و تشجيع الابتكار و البحث التربوي في هذا المجال.
==============================================================================================================
يوميات تلميذ بثانوية ترجيست
منير أكزناي
لأيام الثانوية إشتقت
ولشعور أصدقائي بالمؤسسة في جمل وكلمات لخصتُ.
قد أكون أصبت وقد أكون أخطأت... لكن حاولت ...والله شكرتُ.
تحية تقدير واحترام, للاساتذة والاسرة التربوية وجهتُ.
لان مسيرتي بدونهم ,ما أكملت. وعن حبي لهم أعربتُ.
وفي أمل اللقاء بهم تمنيتُ.
وللإستياء التلاميذي في الأبيات التالية جسدتُ:
على عتبة باب الثانوية وقفتُ
ففتحت عيني جيدا... وللحرم دخلتُ
فانبهرت!!... العنان لجشوني أطلقت...!!
في مرحاض الثانوية للمخدرات دخنتْ
تحت شجرة الزيتون متخفيا, عشيقتي قبلتْ
الفتيات المراهقات غازلت وعاكستْ
أستاذات لمؤخراتهن انجذبت ,وفي وجوههن ابتسمتْ
أساتذة لكي لا يسجلوني غائبا, احترمت ومجدتْ
في قاعة التدريس بالحمار و الغباء اتهمتُ
بحفض دروس الاجتماعيات   اثْقلتُ
بمختبر الفيزياء ,للعتاد والأدوات افتقدتُ
بقاعة العلوم للنوم استسلمتُ
بمادة الانجليزية اهتممت, وباستاذها سخِرتُ
عن تعاطي دروس الفلسفة امتنعتُ
بمادة الترجمة اهتممت,و انجذابا لاستاذتها داومتُ
في جل السنوات ,ولامرشدا واحدا وجدتُ
ولكن بحمدالله وفضله علي نجوتُ, وعلى شهادة البكالوريا حصلت…
فلحال ثانوية تارجيست اليوم تأسفت
وللتعبير عن واقعها المزري ارتأيت
اجتهدت...التلاميذ سألت...وإلى   الخلاصة التالية وصلت:  
انجاز يأنس في علوه السحابْ
ومدرسة يَسهر على تسيريها آدميون كِلابْ
مدير حمل على عاتقه زرع اليأس في التلاميذ الشبابْ
أستاذ يمضي حصة التدريس في التدخين مع البابْ
وأستاذة تغادر قاعة الدرس لكي تحادث صديقاتها ,وبعضهن تَغتابْ
تلميذ غرق في بِرَكِ المخدرات فارتابْ
وتلميذة أتت عليها سفينة التغريب فسايرت الركابْ
موجه لا وجود له, فلا حاجة لنتهمه بالغيابْ
حارس عام لا شغل له غير انتقاد التلاميذ والعتابْ
وقفتُ...صمتُ...فعيني اغمضتُ
عن جودة التعليم والمنظومة الفاشلة   سألتُ
وفي غفلة عن نفسي بالمدير التقيتُ
ففكرت وأدبرت ,!! وبالحاجز ارتطمتُ
فتشجعت وارتبكت...فعاليا صرخت!!!
ويداي إلى السماء رفعت,وإلى الله تضرعت وسألتْ
أن يجتث من ويز التعليم شعوره باللامبالات والأنانيةْ
وأن تحل بالاساتذة وعكة صحيةْ
وأن يُرسل المدير إلى مستشفى الأمراض العقليةْ
وتشهد الثانوية هجمات ارهابيةْ
لكي ينعم التلاميذ بعطلة وراحة   أبديةْ
يتمتم التلميذ بخوف ...بحزن...بإرتباك... إنـــي!!!
ابحث عن تعليم يلبي مؤهلاتي وطموحاتي
لا لاستاذ طيلة الوقت يسبني, وبالتخلف ينعتني
لا لاستاذة تكوينها هش,وبجمالها تفتِنني
لا لمدير يُنقص من عزيمتي,و بالطرد يهددني
لا لاداريين صوريين كالكلاب تعضني
لا لقاعة سادها ظلام ...إزدحام...وشقوقها تخيفني
اريد مكتبة لمراجعة كتبي ودروسي
مساحة خضراء, فوقها بجسدي   القي واسترخي
فأختفي عن حر الشمس, وتحت ظلال أشجارها استلقي...
هللى يا رياح
هللى هللى يا رياح وانسجى حول نومى وشاح
من خرير الغدير واهتزاز الاثير
و اختلاج العبير فى دموع الصباح
هللى هللى يا رياح
طوقينى بنور النجوم و افتحى لى قصور الغيوم
و اتركينى هناك ما وراء السماء
قد لمحت ملاك باسطا لى جناح
هللى هللى يا رياح
ها انا يا ملاكى النعيم يا رسول اله الرحيم
ما عساك تشاء من تراب و ماء
فيه ماء الفداء يالها من مرام
صفقي صفقي يا رياح
ها انا يا ملاكى السعيد غير طيرا شريدا طريد
علمته الحنين عاديات السنين
فاستطاب الانين و استراح النواحى
صفقى صفقى يا رياح
اتردا رداء المنونة وادوء الاسى بظنون
كل فكرى عناد كل نوم سهاد
كل دربى قتاد كل عيشى كفاح
قهقهي قهقهي يا رياح
كان لي من قديم الزمان مرتعا في رياض الجنان
بعته بالوعود هل ترى يعود
اد نكت العهود والتمست السماء
فيما يخص بعالم خاص جدا، عالم امتاز بطبيعة ناطقة ساحرة، جعلت من من يزور هذا العالم يطهر وجدانه وينقي قلبه من شتات ذرات الحقد و الكراهية...
إن هذا العالم كل ما فيه من مجالات جميلة، لكن الأجمل الذي تجده غارسا جذوره وفارضا وجوده في الأعماق هو كل ما يتعلق "بالعاطفة"، التي لا يفهمها إلا القليلون المعدودون على رؤوس الأصابع، أو هناك من الناس الذين اختصاصهم مقتصر بهذه الكلمة"العاطفة"، فسبحان الله ما أعظمه : كيف هي هذه العاطفة ثم كيف زرعها في البشر؟؟؟
عطف يعطف عطفا/العاطفة؛ بالمعنى اللغوي: الشفقة،أما اصطلاحا:فالمقصود بالعاطفة عموما هي كل ما يترتب عن الأحاسيس والجمال والرقة وكذا العذوبة واللطف...
أما عن نفسي: فالعاطفة هي الصبابة والهيام الجوى والكلف و الهوى الصادق المصدوق...العاطفة أنبل من أن توصف وتصور ببضع كلمات لا تسمن و لا تغني من جوع، و لا حتى هي قادرة على إعطاء مصطلح"العاطفة"حقه في التفسير و الشرح المعمق...
إن بن حزم الأندلسي(فقيه،سياسي،فيلسوف...تجرأ على تفسير العاطفة مصحوبة بالحب و الجمال)......................للمقال بقية...أستميحكم عذرا
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالبينات والهدى، ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، ويهدوهم إلى صراط العزيز الحميد
والصلاة والسلام على أفضل رسله، وأشرف دعاته، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسله، فجعل سيرته قدوة لكل مؤمن في جميع شؤون الحياة صغيرها وكبيرها، وختم بدينه الشرائع، فجعل رسالته أكمل الرسالات وأوفاها بحاجات الناس في مختلف بيئاتهم وعصورهم، صلى الله وسلم عليه وعلى أصحابه الهداة البررة الذين علم الله فيهم سلامة الفطرة، وصدق العقيدة، وعظيم التضحية، فشرفهم بحمل رسالة الإسلام إلى أمم الأرض، فأراقوا في سبيلها دماءهم، وفارقوا من أجلها ديارهم، حتى أدوا الأمانة، وبلغوا الرسالة، ونصحوا لله ورسوله، فكان لهم فضل على الإنسانية لا يعرف مداها، ودين في عنق كل مسلم حتى يرث الله الأرض ومن عليها، رضوان الله عليهم وعلى من أحبهم وحمل لواء الدعوة إلى الله من بعدهم حتى يوم الدين.
وبعد فهذه مذكرات كتبتها على عجل وشدة من المرض بعد أن ألقيتها محاضرة مفصلة على طلاب السنة الأولى في كلية الشريعة توخيت فيها أن أبرز أوضح مظاهر الأسوة في سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، مما ينبغي على كل مسلم وداعية إلى الله عز وجل، وعالم بالشريعة، وحامل لفقهها، أن يتدبره ويجعله نصب عينيه، ليكون له شرف الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، وليفتح أمامه باب النجاح في دعوته بين الناس، وباب القبول والرضى من الله جل شأنه، وليكتب له شرف الخلود مع رسوله صلى الله عليه وسلم في جنات النعيم، فإن الله تعالى يقول:   {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13].
هذا وقد جعلت البحث وفق المنهج التالي:
أ- مقدمة وتشتمل على بحثين:
1- في ميزة السيرة النبوية والفائدة من دراستها.
2- في مصادر السيرة النبوية ومراجعها الصحيحة.
ب- في فقه سيرته صلى الله عليه وسلم ويشتمل على عشرة فصول:
• الفصل الأول- في حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة.
• الفصل الثاني- في حياته بعد البعثة إلى الهجرة إلى الحبشة.
• الفصل الثالث- في حياته بعد هجرة الحبشة إلى الهجرة للمدينة.
• الفصل الرابع- في هجرته حتى استقراره بالمدينة.
• الفصل الخامس- في معاركه الحربية منذ غزوة بدر حتى فتح مكة.
• الفصل السادس- في انتشار الإسلام في جزيرة العرب بعد الفتح.
• الفصل السابع- في حياته بعد الفتح إلى الوفاة.
• الفصل الثامن- في خصائص التشريع الإسلامي في المدينة.
• الفصل التاسع- في أخلاقه وافتراءات المستشرقين والمبشرين.
• الفصل العاشر- في أثره وأثر رسالته في العالم.

والله أسأل أن يوفقني في مثل هذه العجالة القصيرة المستعجلة إلى إمعان النظر في السيرة النبوية بما يؤدي إلى الغرض المتوخى من تدريس هذه المادة في كلية الشريعة بحيث يحمل طلابها وطالباتها على أن يتعشقوا دراسة سيرته الطاهرة، فيحملوا من معانيها ودروسها في نفوسهم ما يجعلهم قدوة للناس في استقامتهم وصلاح سيرتهم، وحسن هديهم في الدعوة إلى الإصلاح حتى يعود الرسول صلى الله عليه وسلم للمسلمين شمسا منيرة تبدد ظلمات حياتهم، وتمدهم بالحرارة والدفء في قلوبهم وعقولهم وسلوكهم فيعود للمجتمع الإسلامي صفاؤه واستقامته ومثاليته التي تجعله من جديد في مكان الصدارة والقيادة لشعوب العالم، ويتحقق بذلك قول الله فينا نحن المسلمين مرة أخرى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}[آل عمران:111].

دمشق رمضان 1381هـ
--------------------------------------------------------------------------------
المقدمة
ميزة السيرة النبوية
تجمع السيرة النبوية عدة مزايا تجعل دراستها متعة روحية وعقلية وتاريخية، كما تجعل هذه الدراسة ضرورية لعلماء الشريعة والدعاة إلى الله والمهتمين بالإصلاح الاجتماعي، ليضمنوا إبلاغ الشريعة إلى الناس بأسلوب يجعلهم يرون فيها المعتصم الذي يلوذون به عند اضطراب السبل واشتداد العواصف، ولتتفتح أمام الدعاة قلوب الناس وأفئدتهم، ويكون الإصلاح الذي يدعو إليه المصلحون، أقرب نجحا وأكثر سدادا. ونجمل فيما يلي أبرز مزايا السيرة النبوية.
أولا- إنها أصح سيرة لتاريخ نبي مرسل، أو عظيم مصلح فقد وصلت إلينا سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أصح الطرق العلمية وأقواها ثبوتا- كما سنرى في بحث مصادر السيرة- مما لايترك مجالا للشك في وقائعها البارزة وأحداثها الكبرى، ومما ييسر لنا معرفة ما أضيف إليها في العصور المتأخرة من أحداث أو معجزات أو وقائع أوحى بها العقل الجاهل الراغب في إضفاء الصفة المدهشة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر مما أراد الله لرسوله أن يكون عليه من جلالة المقام وقدسية الرسالة، وعظمة السيرة.
إن الميزة من صحة السيرة صحة لا يتطرق إليها شك لا توجد في سيرة رسول من رسل الله السابقين، فموسى عليه السلام قد اختلطت عندنا وقائع سيرته الصحيحة بما أدخل عليها اليهود من زيف وتحريف، ولا نستطيع أن نركن إلى التوراة الحاضرة لنستخرج منها سيرة صادقة لموسى عليه السلام، فقد أخذ كثير من النقاد الغربيين يشكون في بعض أسفارها وبعضهم يجزم بأن بعض أسفارها لم يكتب في حياة موسى عليه السلام ولا بعده بزمن قريب، وإنما كتب بعد زمن بعيد من غير أن يعرف كاتبها، وهذا وحده كاف للتشكيك في صحة سيرة موسى عليه السلام كما وردت في التوراة، ولذلك ليس أمام المسلم أن يؤمن بشيء من صحة سيرته إلا ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة.
ومثل ذلك يقال في سيرة عيسى عليه السلام، فهذه الأناجيل المعترف بها رسميا لدى الكنائس المسيحية إنما أقرت في عهد متأخر عن السيد المسيح بمئات السنينن، وقد اختيرت – بدون مسوغ علمي – من بين مئات الأناجيل التي كانت منتشرة في أيدي المسيحيين يومئذ. ثم إن نسبة هذه الأناجيل لكاتبيها لم يثبت عن طريق علمي تطمئن النفس إليه، فهي لم ترو بسند متصل إلى كاتبيها، على أن الخلاف قد وقع أيضا بين النقاد الغربيين في أسماء بعض هؤلاء الكاتبين من يكونون؟ وفي أي عصر كانوا؟
وإذا كان هذا شأن سير الرسل أصحاب الديانات المنتشرة في العالم، كان الشك أقوى في سيرة أصحاب الديانات والفلاسفة الآخرين الذين يعد أتباعهم بمئات الملايين في العالم، كبوذا وكونفوشيوس، فإن الروايات التي يتناقلها أتباعهم عن سيرتهم ليس لها أصل معتبر في نظر البحث العلمي، وإنما يتلقفها الكهان فيما بينهم، ويزيد فيها كل جيل عن سابقه بما هو من قبيل الأساطير والخرافات التي لا يصدقها العقل النير المتحرر الخالي من التعصب لتلك الديانات.
وهكذا نجد أن أصح سيرة وأقواها ثبوتا متواترا هي سيرة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثانيا- إن حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم واضحة كل الوضوح في جميع مراحلها، منذ زواج أبيه عبدالله بأمه آمنة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، فنحن نعرف الشيء الكثير عن ولادته، وطفولته وشبابه، ومكسبه قبل النبوة، ورحلاته خارج مكة، إلى أن بعثه الله رسولا كريما، ثم نعرف بشكل أدق واوضح وأكمل كل أحواله سنة   فسنة، مما يجعل سيرته عليه الصلاة والسلام واضحة وضوح الشمس، كما قال بعض النقاد الغربيين: إن محمدا (عليه الصلاة والسلام) هو الوحيد الذي ولد على ضوء الشمس.
وهذا ما لم يتيسر مثله ولا قريب منه لرسول من رسل الله السابقين، فموسى عليه السلام لا نعرف شيئا قط عن طفولته وشبابه وطرق معيشته قبل النبوة، ونعرف الشيء القليل عن حياته بعد النبوة، مما لا يعطينا صورة مكتملة لشخصيته، ومثل ذلك يقال في عيسى عليه السلام، فنحن لا نعرف شيئا عن طفولته إلا ما تذكره الأناجيل الحاضرة، من أنه دخل هيكل اليهود، وناقش أحبارهم، فهذه هي الحادثة الوحيدة التي يذكرونها عن طفولته، ثم نحن لا نعلم من أحواله بعد النبوة إلا ما يتصل بدعوته، وقليلا من أسلوب معيشته، وما عدا ذلك فأمر يغطيه الضباب الكثير.
فأين هذا مما تذكره مصادر السيرة الصحيحة من أدق التفاصيل في حياة رسولنا الشخصية، كأكله، وقيامه، وقعوده، ولباسه، وشكله، وهيئته، ومنطقه، ومعاملته لأسرته، وتعبده، وصلاته، ومعاشرته لأصحابه، بل بلغت الدقة في رواة سيرته أن يذكروا لنا عدد الشعرات البيض في رأسه ولحيته صلى الله عليه وسلم.
ثالثا- إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تضف عليه الألوهية قليلا ولا كثيرا، وإذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيون عن سيرة عيسى عليه السلام، وما يرويه البوذيون عن بوذا، والوثنيون عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليا بين سيرته عليه السلام وسيرة هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي لاتباعهم، فادعاء الألوهية لعيسى عليه السلام ولبوذا جعلهما أبعد منالا من أن يكونا قدوة نموذجية للإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية، بينما ظل وسيظل محمد صلى الله عليه وسلم النثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيدا كريما في نفسه وأسرته وبيئته، ومن هنا يقول الله تعالى في كتابه الكريم: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ}[الأحزاب:21].
رابعا- إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لكل النواحي الإنسانية في الإنسان، فهي تحكي لنا سيرة محمد الشاب الأمين المستقيم قبل أن يكرمه الله بالرسالة، كما تحكي لنا سيرة رسول الله الداعية إلى الله المتلمس أجدى الوسائل لقبول دعوته، الباذل منتهى طاقته وجهده في إبلاغ رسالته، كما تحكي لنا سيرته كرئيس دولة يضع لدولته أقوم النظم وأصحها، ويحميها بيقظته وإخلاصه وصدقه بما يكفل لها النجاح، كما تحكي لنا سيرة الرسول الزوج والأب في حنو العاطفة، وحسن المعاملة، والتمييز الواضح بين الحقوق والواجبات لكل من الزوج والزوجة والأولاد، كما تحكي لنا سيرة الرسول المربي المرشد الذي يشرف على تربية أصحابه تربية مثالية ينقل فيها من روحه إلى أرواحهم، ومن نفسه إلى نفوسهم، مما يجعلهم يحاولون الاقتداء به في دقيق الأمور وكبيرها، كما تحكي لنا سيرة الرسول الصديق الذي يقوم بواجبات الصحبة، ويفي بالتزاماتها وآدابها، مما يجعل أصحابه يحبونه كحبهم لأنفسهم وأكثر من حبهم لأهليهم وأقربائهم، وسيرته تحكي لنا سيرة المحارب الشجاع، والقائد المنتصر، والسياسي الناجح، والجار الأمين، والمعاهد الصادق.
وقصارى القول: إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد ، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مربي، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا..
ونحن لا نجد مثل هذا الشمول ولا قريبا منه فيما بقي لنا من سير الرسل السابقين، ومؤسسي الديانات والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين، فموسى يمثل زعيم الأمة الذي أنقذ أمته من العبودية، ووضع لها من القواعد والمبادئ ما يصلح لها وحدها، ولكننا لا نجد في سيرته ما يجعله قدوة للمحاربين، أو المربين أو السياسيين، أو رؤساء الدول أو الآباء، أو الأزواج مثلا، وعيسى عليه السلام يمثل الداعية الزاهد الذي غادر الدنيا وهو لا يملك مالا، ولا دارا، ولا متاعا، ولكنه في سيرته الموجودة بين أيدي المسيحيين، لا يمثل القائد المحارب، ولا رئيس الدولة، ولا الأب، ولا الزوج -لأنه لم يتزوج- ولا المشترع، ولا غير ذلك مما تمثله سيرة محمد صلى الله عليه وسلم. وقل مثل ذلك في بوذا، وكونفوشيوس، وأرسطو، وأفلاطون، ونابليون، وغيرهم من عظماء التاريخ، فإنهم لا يصلحون للقدوة -إن صلحوا- إلا لناحية واحدة من نواحي الحياة وبرزوا فيها واشتهروا بها، والإنسان الوحيد في التاريخ الذي يصلح أن يكون قدوة لجميع الفئات وجميع ذوي المواهب وجميع الناس هو محمد صلى الله عليه وسلم.
خامسا- إن سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وحدها   تعطينا الدليل الذي لا ريب فيه على صدق رسالته ونبوته، إنها سيرة إنسان كامل سار بدعوته من نصر إلى نصر لا عن طريق الخوارق والمعجزات، بل عن طريق طبيعي بحت، فلقجد دعا فأوذي، وبلغ فأصبح له الأنصار، واضطر إلى الحرب فحارب، وكان حكيما، موفقا في قيادته، فما أزفت ساعة وفاته إلا كانت دعوته تلف الجزيرة العربية كلها عن طريق الإيمان، لا عن طريق القهر والغلبة، ومن عرف ما كان عليه العرب من عادات وعقائد وما قاوموا به دعوته من شتى أنواع المقاومة حتى تدبير اغتياله، ومن عرف عدم التكافؤ بينه وبين محاربيه في كل معركة انتصر فيها، ومن عرف قصر المدة التي استغرقتها رسالته حتى وفاته، وهي ثلاث وعشرون سنة، أيقن أن محمدا رسول الله حقا، وأن ما كان يمنحه الله من قوة وثبات وتأثير ونصر ليس إلا لأنه نبي حقا، وما كان لله أن يؤيد من يكذب عليه هذا التأييد الفريد في التاريخ، فسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم تثبت لنا صدق رسالته عن طريق عقلي بحت، وما وقع له صلى الله عليه وسلم من المعجزات لم يكن الأساس الأول في إيمان العرب بدعوته، بل إنا لا نجد له معجزه آمن معها الكفار المعاندون، على أن المعجزات المادية تكون حجة على من شاهدها، ومن المؤكد أن المسلمين الذين لم يروا النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يشاهدوا معجزاته، إنما آمنوا بصدق رسالته للأدلة العقلية القاطعة على دعواه النبوة، ومن هذه الأدلة العقلية: القرآن الكريم، فإنه معجزة عقلية، تلزم كل عاقل منصف أن بصدق محمد صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة.
وهذا يختلف تماما عن سير الأنبياء السابقين المحفوظة لدى أتباعهم، فهي تدلنا على أن الناس إنما آمنوا بهم لما رأوا على أيديهم من معجزات وخوارق، دون أن يحكموا عقولهم في مبادئ دعواتهم فتذعن لها، واوضح مثل لذلك السيد المسيح عليه السلام، فإن الله حكى لنا في القرآن الكريم أنه جعل الدعامة الأولى في إقناع اليهود بصدق رسالته أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويشفي المرضى، ويحيي الموتى، وينبئهم بما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، كل ذلك بإذن الله جل شأنه، والأناجيل الحاضرة تروي لنا أن هذه المعجزات هي وحدها التي كانت سببا في إيمان الجماهير دفعة واحدة به، لا على أنه رسول كما يحكي القرآن الكريم، بل على أنه إله وابن إله-حاشا لله من ذلك- والمسيحية بعد المسيح انتشرت بالمعجزات وخوارق العادات - وفي سفر أعمال الرسل أكبر دليل على ذلك – حتى ليصح لنا أن نطلق على المسيحية التي يؤمن بها أتباعها أنها دين قام على المعجزات والخوارق، لا على الإقناع العقلي ومن هنا نرى هذه الميزة الواضحة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه ما آمن به واحد عن طريق مشاهدته لمعجزة خارقة، بل عن اقتناع عقلي وجداني، وإذا كان الله قد أكرم رسوله بالمعجزات الخارقة، فما ذلك إلا إكرام له صلى الله عليه وسلم وإفحام لمعانديه المكابرين ومن تتبع القرآن الكريم وجد أنه اعتمد في الإقناع على المحاكمة العقلية، والمشاهدة المحسوسة لعظيم صنع الله، والمعرفة التامة بما كان عليه الرسول من أمية تجعل إتيانه بالقرآن الكريم دليلا على صدق رسالته صلى الله عليه وسلم، يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: { وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ ، أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 50،51]،   ولما اشتط كفار قريش في طلب المعجزات من رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كانت تفعل الأمم الماضية، أمره الله أن يجيبهم بقوله: { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً}[الإسراء: 93]. استمع إلى ذلك في قوله تعالى في سورة الإسراء: { وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: 91-93].
هكذا يقرر القرآن بصراحة ووضوح أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنسان رسول، وأنه لا يعتمد في دعوى الرسالة على الخوارق والمعجزات، وإنما يخاطب العقول والقلوب، {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}[الأنعام: 125].
----------------------------------------------------------------------------------
مصادر السيرة النبوية
تنحصر المصادر الرئيسية المعتمدة للسيرة النبوية في أربعة مصادر:
1-                   القرآن الكريم:
وهو مصدر أساسي نستمد منه ملامح السيرة النبوية، فقد تعرض القرآن الكريم لنشأته{ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 5-6] كما تعرض لأخلاقه الكريمة العالية { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ }[القلم: 4]. وقد تحدث القرآن عما لقيه عليه الصلاة والسلام من أذى وعنت في سبيل دعوته، كما ذكر ما كان المشركون ينعتونه به من السحر والجنون صدا عن دين الله عز وجل، وقد تعرض القرآن لهجرة الرسول كما تعرض لأهم المعارك الحربية التي خاضها بعد هجرته، فتحدث عن معركة بدر، وأحد، والأحزاب، وصلح الحديبية، وفتح مكة، وغزوة حنين، وتحدث عن بعض معجزاته، كمعجزة الإسراء والمعراج.
وبالجملة فقد تحدث عن كثير من وقائع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما كان الكتاب الكريم أوثق كتاب على وجه الأرض، وكان من الثبوت المتواتر بما لا يفكر إنسان عاقل في التشكيك بنصوصه وثبوتها التاريخي، فإن ما تعرض له من وقائع السيرة يعتبر أصح مصدر للسيرة على الإطلاق.
ولكن من الملاحظ أن القرآن لم يتعرض لتفاصيل الوقائع النبوية، وإنما تعرض لها إجمالا، فهو حين يتحدث عن معركة لا يتحدث عن أسبابها، ولا عن عدد المسلمين والمشركين فيها، ولا عن عدد القتلى والأسرى من المشركين، وإنما يتحدث عن دروس المعركة وما فيها من عبر وعظات، وهذا شأن القرآن في كل ما أورده من قصص عن الأنبياء السابقين والأمم الماضية، ولذلك فنحن لا نستطيع أن نكتفي بنصوص القرآن المتعلقة بالسيرة النبوية لنخرج منها بصورة متكاملة عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2-                   السنة النبوية الصحيحة:
السنة النبوية الصحيحة التي تضمنتها كتب أئمة الحديث المعترف بصدقهم والثقة بهم في العالم الإسلامي هي:
الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبوداود، والنسائي، والترمذي، وابن ماجه. ويضاف إليها: موطأ الإمام مالك، ومسند الإمام أحمد، فهذه الكتب وخاصة البخاري ومسلم في الذروة العليا من الصحة والثقة والتحقيق، أما الكتب الأخرى، فقد تضمنت الصحيح والحسن، وفي بعضها الضعيف أيضا.
من هذه الكتب التي حوت القسم الأكبر من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ووقائعه وحروبه، وأعماله، نستطيع أن نكون فكرة شاملة - وإن كانت غير متكاملة أحيانا - عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومما يزيد الثقة بها والاطمئنان إليها أنها رويت بالسند المتصل إلى الصحابة رضوان الله عليهم، وهم الذين عاشروا الرسول ولازموه، ونصر الله بهم دينه، وقد رباهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على عينه، فكانوا أكمل أجيال التاريخ استقامة أخلاق وقوة إيمان، وصدق حديث، وسمو أرواح، وكمال عقول، فكل ما رووه لنا عن الرسول بالسند الصحيح المتصل يجب أن نقبله كحقيقة تاريخية لا يخالجنا الشك فيها.
ويحاول المستشرقون المغرضون وأتباعهم من المسلمين الذين رق دينهم، وفتنوا بالغرب وعلمائه أن يشككوا في صحة ما بين أيدينا من كتب السنة المعتمدة، لينفذوا منها إلى هدم الشريعة، والتشكيك بوقائع السيرة، ولكن الله الذي تكفل بحفظ دينه قد هيأ لهم من يرد سهام باطلهم، وكيدهم إلى نحورهم وقد تعرضت في كتابي « السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي » إلى جهود علمائنا في تمحيص السنة النبوية، وسردت شبه المستشرقين ومن تابعهم، وناقشتها نقاشا علميا، أرجو الله أن يثيبني عليه، ويجعله في صفحات حسناتي يوم العرض عليه.
3-                   الشعر العربي المعاصر لعهد الرسالة:
مما لا شك فيه أن المشركين قد هاجموا الرسول ودعوته على ألسنة شعرائهم، مما اضطر المسلمين إلى الرد عليهم على ألسنة شعرائهم، كحسان بن ثابت، وعبدالله ابن رواحة، وغيرهما، وقد تضمنت كتب الأدب، وكتب السيرة التي صنفت فيما بعد قسطا كبيرا من هذه الأشعار التي نستطيع أن نستنتج منها حقائق كثيرة عن البيئة التي كان يعيش فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي ترعرعت فيها عقيدة الإسلام أول قيامها.
4-                   كتب السيرة:
كانت وقائع السيرة النبوية روايات يرويها الصحابة رضوان الله عليهم إلى من بعدهم، وقد اختص بعضهم بتتبع دقائق السيرة وتفاصيلها، ثم تناقل التابعون هذه الأخبار ودونوها في صحائف عندهم، وقد اختص بعضهم بالعناية التامة بها، أمثال أبان بن عثمان بن عفان رضي الله عنه (32-105هـ) وعروة بن الزبير بن العوام (23-93هـ) ومن صغار التابعين عبد الله بن أبي بكر الأنصاري (توفي سنة 135هـ) ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري (50-124هـ) الذي جمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز بأمره، وعاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري (توفي سنة 129هـ).
ثم انتقلت العناية بالسيرة إلى من بعدهم، حتى أفردوها بالتصنيف، ومن أشهر أوائل المصنفين في السيرة محمد بن إسحاق بن يسار (توفي سنة 152هـ) وقد اتفق جمهور العلماء والمحدثين على توثيقه، إلا ما روي عن مالك، وهشام بن عروة بن الزبير من تجريحه، وقد حمل كثير من العلماء المحققين تجريح هذين العالمين الكبيرين له بعداوات شخصية كانت قائمة بينهما وبين ابن إسحاق.
ألف ابن إسحاق كتابه «المغازي» من أحاديث وروايات سمعها بنفسه في المدينة ومصر، ومن المؤسف أن هذا الكتاب لم يصل إلينا، فقد فُقِدَ فيما فُقِدَ من تراثنا العلمي الزاخر، ولكن مضمون الكتاب بقي محفوظا بما رواه عنه ابن هشام في سيرته عن طريق شيخه البكائي الذي كان من أشهر تلامذة ابن إسحاق.
سيرة ابن هشام:
هو أبو محمد عبد الملك بن أيوب الحميري، نشأ بالبصرة وتوفي سنة 213 أو 218هـ على اختلاف الروايات، ألف ابن هشام كتابه «السيرة النبوية» مما رواه شيخه البكائي عن ابن إسحاق، ومما رواه هو شخصيا عن شيوخه، مما لم يذكره ابن إسحاق في سيرته، وأغفل ما رواه ابن إسحاق مما لم يتفق مع ذوقه العلمي وملكته النقدية، فجاء كتابا من أوفى مصادر السيرة النبوية، وأصحها، وأدقها، ولقي من القبول ما جعل الناس ينسبون كتابه إليه، فيقولون: سيرة ابن هشام وشرح كتابه هذا عالمان من الأندلس: السهيلي (508-581هـ) والخشني (535-604هـ).
طبقات ابن سعد:
هو محمد بن سعد بن منيع الزهري، ولد بالبصرة سنة 168هـ وتوفي ببغداد سنة 230هـ كان كاتبا لمحمد بن عمر الواقدي المؤرخ الشهير في المغازي والسيرة (130-207هـ) سار ابن سعد في كتابه «الطبقات» على ذكر أسماء الصحابة والتابعين - بعد ذكر سيرة الرسول عليه السلام – بحسب طبقاتهم، وقبائلهم، وأماكنهم، ويعتبر كتابه «الطبقات» من أوثق المصادر الأولى للسيرة، وأحفظها بذكر الصحابة والتابعين.
تاريخ الطبري:
هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (224-310هـ) إمام، فقيه، محدث، صاحب مذهب في الفقه لم ينتشر كثيرا ألف كتابه في التاريخ غير مقتصر على سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، بل ذكر تاريخ الأمم قبله، وأفرد قسما خاصا لسيرته عليه السلام، ثم تابع الحديث عن تاريخ الدول الإسلامية حتى قرب وفاته.
يعتبر الطبري حجة ثقة فيما يروي، ولكنه كثيرا ما يذكر روايات ضعيفة أو باطلة، مكتفيا بإسنادها إلى رواتها الذين كان أمرهم معروفا في عصره، كما في رواياته عن أبي مخنف، فقد كان شيعيا متعصبا، ومع ذلك فقد أورد له الطبري كثيرا من أخباره بإسنادها إليه، كانه يتبرأ من عهدتها، ويلقي العبء على أبي مخنف.
تطور التأليف في السيرة:
ثم تطور التأليف في السيرة، فأفردت بعض نواحيها بالتأليف خاصة، كـ« دلائل النبوة» للأصبهاني، و« الشمائل المحمدية» للترمذي، و« زاد المعاد» لابن قيم الجوزية، و« الشفاء» للقاضي عياض، و«المواهب اللدنية» للقسطلاني وهي مشروحة في ثماني مجلدات بقلم الزرقاني المتوفى سنة 1122هـ.
هذا ولا يزال العلماء يؤلفون في سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام بأسلوب حديث يتقبله ذوق أبناء العصر، ومن أشهر الكتب المؤلفة في العصر الحديث كتاب « نور اليقين في سيرة سيد المرسلين» للشيخ محمد الخضري رحمه الله، وقد لقي كتابه قبولا حسنا، وقررت دراسته في المعاهد الدينية في أكثر أنحاء العالم الإسلامي.
----------------------------------------------------------------------------------
الفصل الأول - في حياته قبل البعثة
الوقائع التاريخية
تدلنا الأخبار الثابتة عن حياته صلى الله عليه وسلم قبل البعثة على الحقائق التالية:
1-         أنه ولد في أشرف بيت من بيوت العرب، فهو من أشرف فروع قريش، وهم بنو هاشم، وقريش أشرف قبيلة في العرب، وأزكاها نسبا وأعلاها مكانة، وقد روي عن العباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم من خير فرقهم، وخير الفريقين، ثم تخير القبائل، فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا»( رواه الترمذي بسند صحيح).
ولمكانة هذا النسب الكريم في قريش لم نجدها فيما طعنت به على النبي صلى الله عليه وسلم لاتضاح نسبه بينهم، ولقد طعنت فيه بأشياء كثيرة مفتراة إلا هذا الأمر.
2-         أنه نشأ يتيما، فقد مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين فحسب، ولما أصبح له من العمر ست سنوات ماتت أمه آمنة فذاق صلى الله عليه وسلم في صغره مرارة الحرمان من عطف الأبوين وحنانهما، وقد كفله بعد ذلك جده عبد المطلب، ثم توفي ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمان سنوات، فكفله بعد ذلك عمه أبو طالب حتى نشأ واشتد ساعده، وإلى يتمه أشار القرآن الكريم بقوله: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى:6].
3-         أمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم السنوات الأربع الأولى من طفولته في الصحراء في بني سعد، فنشأ قوي البنية، سليم الجسم، فصيح اللسان، جريء الجنان، يحسن ركوب الخيل على صغر سنه قد تفتحت مواهبه على صفاء الصحراء وهدوئها، وإشراق شمسها ونقاوة هوائها.
4-         كانت تعرف فيه النجابة من صغره، وتلوح على محياه مخايل الذكاء الذي يحببه إلى كل من رآه، فكان إذا أتى الرسول وهو غلام جلس على فراش جده، وكان إذا جلس عليه لا يجلس معه على الفراش أحد من أولاده (أعمام الرسول)، فيحاول أعمامه انتزاعه عن الفراش، فيقول لهم عبد المطلب: دعوا ابني، فوالله إن له لشأنا.
5-         أنه عليه الصلاة والسلام كان يرعى في أوائل شبابه لأهل مكة أغنامهم بقراريط يأخذها أجرا على ذلك، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما من نبي إلا قد رعى الغنم» قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: « وأنا» وفي رواية أخرى أنه قال: « ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» فقال له أصحابه: وأنت يا رسول الله؟ فأجاب: « وأنا رعيتها لأهل مكة على قراريط» ثم لما بلغ من عمره خمسا وعشرين، عمل لخديجة بنت خويلد في التجارة بما لها على أجر تؤديه إليه.
6-         لم يشارك عليه الصلاة والسلام أقرانه من شباب مكة في لهوهم ولا عبثهم، وقد عصمه الله من ذلك، فقد استفاض في كتب السيرة أنه سمع وهو في سن الشباب غناء من إحدى دور مكة في حفلة عرس، فأراد أن يشهدها، فألقى الله عليه النوم، فما أيقظه إلا حر الشمس، ولم يشارك قومه في عبادة الأوثان، ولا أكل شيئا مما ذبح لها، ولم يشرب خمرا، ولا لعب قمارا، ولا عرف عنه فحش في القول، أو هُجر [قبحٌ] في الكلام.
7-         وعرف عنه منذ إدراكه رجحان العقل، وأصالة الرأي، وفي حادثة وضع الحجر الأسود في مكانه من الكعبة دليل واضح على هذا، فقد أصاب الكعبة سيل أدى إلى تصدع جدرانها، فقرر أهل مكة هدمها وتجديد بنائها، وفعلوا، فلما وصلوا إلى مكان الحجر الأسود فيها اختلفوا اختلافا شديدا فيمن يكون له شرف وضع الحجر الأسود في مكانه، وأرادت كل قبيلة أن يكون لها هذا الشرف، واشتد النزاع حتى تواعدوا للقتال، ثم ارتضوا أن يحكم بينهم أول داخل من باب بني شيبة، فكان هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين، رضينا بحكمه، فلما أخبر بذلك، حل المشكلة بما رضي عنه جميع المتنازعين، فقد بسط رداءه ثم أخذ الحجر فوضعه فيه، ثم أمرهم أن تأخذ كل قبيلة بطرف من الرداء، فلما رفعوه وبلغ الحجر موضعه، أخذه ووضعه بيده، فرضوا جميعا، وصان الله بوفور عقله وحكمته دماء العرب من أن تسفك إلى مدى لا يعلمه إلا الله.
8-         عرف عليه الصلاة والسلام في شبابه بين قومه بالصادق الأمين، واشتهر بينهم بحسن المعاملة، والوفاء بالوعد، واستقامة السيرة، وحسن السمعة، مما رغب خديجة في أن تعرض عليه الاتجار بمالها في القافلة التي تذهب إلى مدينة (بصرى) كل عام على أن تعطيه ضعف ما تعطي رجلا من قومها، فلما عاد إلى مكة وأخبرها غلامها ميسرة بما كان من أمانته وإخلاصه، ورأت الربح الكثير في تلك الرحلة، أضعفت له من الأجر ضعف ما كانت أسمت له، ثم حملها ذلك على أن ترغب في الزواج منه، فقبل أن يتزوجها وهو أصغر منها بخمسة عشر عاما، وأفضل شهادة له بحسن خلقه قبل النبوة قول خديجة له بعد أن جاءه الوحي في غار حراء وعاد مرتعدا: كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل (الضعيف)، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
9-         سافر مرتين خارج مكة، أولاهما مع عمه أبي طالب حين كان عمره اثنتي عشرة سنة، وثانيتهما حين كان عمره خمسا وعشرين سنة، متاجرا لخديجة بمالها، وكانت كلتا الرحلتين إلى مدينة (بصرى) في الشام، وفي كلتيهما كان يسمع من التجار أحاديثهم، ويشاهد آثار البلاد التي مر بها، والعادات التي كان عليها سكانها.
10-     حبب الله إليه عليه الصلاة والسلام قبل البعثة بسنوات أن يخرج إلى غار حراء - وهو جبل يقع في الجانب الشمالي الغربي من مكة، على قرب منها- يخلو فيه لنفسه مقدار شهر - وكان في شهر رمضان- ليفكر في آلاء الله، وعظيم قدرته، واستمر على ذلك حتى جاءه الوحي، ونزل عليه القرآن الكريم.
يا فاطمة الزهراء ! يا فاتنة الصحراء ! يا نجمة الحمراء!!!
فاطمة الزهراء فتاة عرفتها   أيام الطفولة تقريبا عندما كنت أدرس بالسنة الخامسة إبتدائي بفضل صديق إسمه*محمد*   جاء وأهله ليقطنوا بجانب المنزل الذي نقطنه...وهي كانت بمثابة أخت لهذا الصديق، إذ كانت تقريبا تعيش معهم ولا تفارقهم ...أما أنا فقد كنت أستطلع على أمرها من بعيد، لأني كنت أكبر خجول آنذاك و ربما لا زلت كذلك....وبعد مدة تضمن فيها الجار تعززت العلاقات بين الآباء و الأولاد في الحي ، فأصبحت مقربا لعائلة صديقي وكذا "فاطمة الزهراء"،التي تحريت عنها فصدمت أعنف صدمة لما اكتشفت أمرا وهو أن المسكينة "يتيمة"...فقد مات أباها وهو جندي، علما أن الحي الذي نقطنه هو "الحي العسكري"أي أن أبي أنا أيضا هو جندي ولكنه متقاعد... لقد أثر ذلك في نفسي جدا وزاد اهتمامي بها لدرجد الخوف عليها من أي أذى مهما كان بسيطا...ولا أعلم لماذا؟؟؟
فاطمة الزهراء ...الفتاة اللطيفة الطيبة التي تنطق دوما بالخير وعلى وجهها الإبتسامة العريضة التي تنير وجوه الآخرين مهما كان حالها. إنها لفتاة جميلة الشكل والمضمون إن لم أقل امتلكت الجمال لوحدها وانفردت به...وهي تستحقه لما لها من أخلاق يمكن إدراجها ضمن مميزات جمالها الخارجي(الأخلاق)، أي أن لها أخلاقا حميدة ترفع من شأنها ...ثم يزيد شأنها عندي.فهي تمتلك شخصية لا يمكن تقليدها أو الإتصاف بمثلها ... إتصفت بحلة خاصة، حلة لم أراها في فتاة غيرها ويا ليت حلتها تدوم، فهي الكنز الثمين الذي تملكه...فاطمةالزهراء
أتساءل في بعض اللحظات: متى و كيف سأعلن عما أكتمه؟؟؟؟؟؟؟
إني لست سوى إنسانا يعشق الناس كما يتمنى عشقهم له، إني لست سوى من يتبادر إلى ذهنه أن كتمان الأمور هو أشد درجات الصبر، وربما بلغت هذه الدرجات ويكفيني هذا الحد ويكفيني هذا الصبر الطويل فقد مضت سنوات وأنا أكتم هذا الكلام. ترى هل هي تعلم أني في بعض الأحيان أتحدث إلى نفسي بدون أن أشعر ويكون كلامي هو الموضوع أو الأمر الذي أكتمه.......؟؟؟؟؟؟؟؟؟
صراحة وليحصل ما يحصل مع أنما سيحصل أهم من إعلان ما أكتمه
إني منذ ذلك الحين الذي شاء لي القدر الرحيم أن أراها فيه(فاطمة الزهراء)، وأنا أتقلب بسبب قلبي الذي لم يسمى قلبا عبثا، نعم إني أعاني منذ أول يوم رأيتها فيه وهي تلبس ثوبا أحمر اللون.......جن جنوني ....جن جنوني (حبا) .....عذرا عما ألفظه فأنا في حالة اللاوعي   الذي هو أساس الحياة النفسية. يا ليتها تفهم جوهر هذا الكلام الذي أنطقه بكل صدق وإخلاص، وليس هذا فقط، بل إن كل حرف لا أنطقه إلا وتكاد الدموع تذرف من عيناي اللتان كانتا تتحرقان لإنتاج هذا المقال القيم بالنسبة لي، وأتمناه قيما ومؤثرا لكل قارئ...
وتبقى هذه الوحدة العضوية موجودة ومرتبطة بالوجدان مهما اختلفت القوافي كما في قصيدة "الخير والشر" لميخائيل نعيمة أو تعددت الأوزان العروضية كما في قصيدة"المجنون" لإيليا أبي ماضي.
هذا، وقد مال الوجدانيون إلى تحقيق بعض الملامح التجديدية في أشعارهم كتنويع القوافي والأوزان، وتشغيل الوحدة العضوية في بناء القصيدة، واستعمال القصائد والمقطوعات المتفرقة، وتليين اللغة وترهيفها وإزالة قداستها البيانية ، وتوظيف القافية المرسلة والمزدوجة والمتراوحة، واللجوء إلى الشعر المرسل. لكن هذا التجديد سيواجهه النقاد المحافظون بالمنع والتقويض كمصطفى صادق الرافعي وطه حسين والعقاد في إحدى مراحله النقدية وإبراهيم أنيس صاحب كتاب " موسيقا الشعر".
وإذا۫، فقد" كانت نهاية هذه التيارات الذاتية محزنة، على صعيدي المضمون والشكل، أما المضمون فلأنه انحدر، كما لاحظنا في القسم الأول من هذا الكتاب، على مستوى البكاء والأنين والتفجع والشكوى، وهي معان ممعنة في الضعف تفصح بوضوح عما وراءها من مرض وتهافت وخذلان. أما الشكل فلأنه فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة، ومميزات مكتملة ناضجة، وكان فشله تحت ضربات النقد المحافظ، الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك ومنعة، قبل كارثة فلسطين. فلما تحقق النصر للكيان الصهيوني المصطنع، وعجز الوجود العربي التقليدي بكل ما أوتي من قوة عن رد الخطر الذي يتهدد الأمة، سقط ذلك الوجود، وكان سقوطه على كافة المستويات، السياسية والاجتماعية والثقافية، وأتيح بذلك للشاعر والناقد والمفكر أن يمارسوا قدرا من الحرية لم تكن ممارسته متاحة لهم من قبل في عالمنا العربي.".
وهكذا، يحكم أحمد المعداوي على التيار الذاتي بأنه لم يأت بجديد يذكر على مستوى المضمون والشكل معا على الرغم من بعض المحاولات التجديدية ؛ لأنه بقي أسير النغمات الحزينة والمحاولات التجديدية المحتشمة التي كانت تهاب أنياب النقد العربي المحافظ.

الفصل الثاني: تجربة الغربة والضياع

لم يظهر الشعر العربي الحديث أو مايسمى بشعر التفعيلة إلا بعد نكبة 1948م ، وتعاقب مجموعة من النكسات والهزائم المتوالية وخاصة هزيمة 1967م. وقد تأثر هذا الشعر الجديد بالمد القومي وانهيار الواقع العربي الفظ الذي زرع الشك في نفوس المثقفين والمبدعين، وأسقط كل الوثوقيات العربية التقليدية والثوابت المقدسة والطابوهات الممنوعة.
كما كان للاحتكاك بالثقافة الأجنبية دور كبير في انفتاح هذا الشعر على كل ماهو مستحدث في الخارج لتجديد آليات الكتابة والتعبير بله عن التسلح بمجموعة من المعارف والعلوم للسمو بهذا الشعر كالفلسفة والتاريخ والأساطير وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنتروبولوجيا ، واستيعاب الروافد الفكرية الآتية من الشرق وبالضبط المذاهب الصوفية والتعاليم المنحدرة من الديانات الهندية والفارسية والحرانية(الصابئة)، والتأثر بأشعار الجامي وجلال الدين الرومي وفريد العطار والخيام وطاغور فضلا عن الاستفادة من الفلسفة الوجودية والفلسفة الاشتراكية والتفاعل مع أشعار أودن وبابلو نيرودا و وپول إيلوار و لويس أراگون و گارسيا لوركا وماياكوفسكي وناظم حكمت والاستعانة بقصص كافكا وأشعار ريلكه وإليوت مع الانفتاح على الثقافة الشعبية كسيرة عنترة بن شداد و كتاب ألف ليلة وليلة و سيرتي : سيف بن ذي يزن وأبي زيد الهلالي ، والتعمق في القرآن الكريم، وقراءة الحديث النبوي الشريف، والتجوال الدائم في الشعر العربي القديم.
وصار الشعر وسيلة لاكتشاف الإنسان والعالم، كما كان فعالية جوهرية تتصل بوضع الإنسان ومستقبله إلى المدى الأقصى، وبدأ الشاعر يحمل رؤيا للإنسان والحياة والكون والوجود والقيم والمعرفة. بل أصبح الشعر الحديث أداة لتفسير العالم وتغييره.
ولا يعرف الشاعر الحديث معنى الاستقرار فهو كثير التنقل تناصيا وكثير الترحال معرفيا، فقد" طوف مع يوليس في المجهول، ومع فاوست ضحى بروحه ليفتدي المعرفة، ثم انتهى إلى اليأس من العلم في هذا العصر، تنكر له مع هكسلي ،فأبحر إلى ضفاف الكنج، منبت التصرف، لم ير غير طين ميت هناك، وطين ميت هنا، طين بطين، ولا تقف رحلة الشاعر الحديث عند حدود الزمان والمكان والتاريخ والحضارة، فقد حمل صليبه مع المسيح، وحمل صخرته مع سيزيف، وعاقر الأتراح والآلام مع كلكمش في رحلته الطويلة بحثا عن شجرة الخلود، ومع الحلاج في مأساته بين البوح والكتمان، ورهن المحبسين مع أبي العلاء، قرأ اسمه على شاهد قبره، وقرأه على الآجر المشوي في أطلال نينوى، وعلى الصوامع المهدمة في أحياء نيسابور، حتى إذا أعياه الضرب في الأرض، ألقى عصاه في انتظار الذي يأتي ولا يأتي".
ومن ناحية أخرى، أصبح الشكل الشعري الجديد يعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة، بعد أن أفرزته مجموعة من النكبات والنكسات والهزائم. ومن هنا، فقد استوى الشكل الشعري الجديد مع مجموعة من الشعراء المحدثين كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وخليل حاوي وأدونيس وعبد الوهاب البياتي...
ومن الموضوعات التي نصادفها بكثرة في شعرنا العربي الحديث نلفي تجربة الضياع والتمزق النفسي والاضطراب الداخلي والقلق الوجودي والغربة الذاتية والمكانية تأثرا بشعر توماس إليوت صاحب القصيدة الشهيرة" الأرض الخراب"، فنموذج الآفاق عند الوهاب البياتي " ليس سوى رمز للإنسان الضائع الذي اضمحل وجوده في الحضارة الأوربية كما يتصوره إليوت" ، وتأثرا أيضا بأعمال بعض الروائيين والمسرحيين خاصة الروايات والمسرحيات الوجودية التي ترجمت إلى اللغة العربية، ودراسة كولن ويلسن عن" اللامنتمي"، علاوة على عامل المعرفة، وكل هذا جعل الشاعر الحديث يعاني من الملل والسأم والضجر واللامبالاة والقلق، وبدأ يعزف أنغاما حزينة تترجم سيمفونية الضياع والتيه والاغتراب والانهيار النفسي والتآكل الذاتي والذوبان الوجودي بسبب تردي القيم الإنسانية وانحطاط المجتمع العربي بسبب قيمه الزائفة وهزائمه المتكررة.
وتحضر هذه النغمة التراجيدية في أشعار أدونيس في قصيدة "الرأس والنهر " من ديوان " المسرح والمرايا"، وعند عبد الوهاب البياتي وصلاح عبد الصبور في قصيدته "مذكرات الصوفي بشر الحافي" من ديوان "أحلام الفارس القديم"، و لدى عبد المعطي حجازي.
وتتنوع الغربة في أشعار المحدثين لتشمل الغربة في الكون، والغربة في المدينة، والغربة في الحب، والغربة في الكلمة.
وتعني الغربة في الكون ميل الشاعر إلى الشك في الحقائق والميل إلى التفلسف الأنطولوجي ( الوجودي)، وتفسير الكون عقلا ومنطقا، والدافع إلى ذلك أن الشاعر يحس بالعبث والقلق والمرارة المظلمة كما نجد ذلك في نصوص صلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب وأدونيس ويوسف الخال.
أما الغربة في المدينة، فتتجلى في تبرم الشاعر الحساس من المكان المديني الذي حول الإنسان إلى مادة محنطة بالقيم المصطنعة الزائفة، وهذا المكان المخيف هو المدينة العربية المعاصرة التي علبت الإنسان وشيأته، وأضحت بدون قلب أو بدون روح، فالقاهرة بدون قلب عند عبد المعطي حجازي، ونفس الشيء يقال عن بغداد السياب وبيروت أدونيس وخليل حاوي. وتتخذ المدينة في شعر هؤلاء قناعا سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وتمثل وجه الحضارة بكل أبعادها الذاتية والموضوعية.
وعليه، فقد صور الشعر الحديث المدينة في ثوبها المادي كما عند الحجازي، أو الناس داخل المدينة وهم صامتون يثقلهم الإحساس بالزمن كما في جل أشعار عبد المعطي حجازي في ديوانه" مدينة بلا قلب".
ويلاحظ أن الشعراء المحدثين لم يستطيعوا الهروب إلى الريف أو إلى عالم الغاب كما فعل الرومانسيون ، بل فكر السياب أن يهرب إلى قريته جيكور في الكثير من جيكورياته، ولكنه وجد أن المدينة تحاصره في أي مكان وتطوقه بأحابيلها المادية الإسمنتية، ولم يجد صلاح عبد الصبور أيضا سوى أن يجسد الخلاص في الموت كما في قصيدة "الخروج".
وإذا كان الشاعر الحديث قد فشل في فهم أسرار الكون ووجوده، وفشل كذلك في التأقلم مع المدينة، فإنه فشل كذلك في الحب الذي أصبح زيفا مصطنعا وبريقا واهما. ومن ثم، تتحول العلاقة بين الزوجين إلى عداوة وقتال كما في قصيدة"الجروح السود" عند خليل حاوي في ديوانه" نهر الرماد"، أو يموت الحب عند عبد المعطي حجازي أو يصاب بالاختناق عند صلاح عبد الصبور.
هذا، و تعيش الكلمة غربتها الذاتية في واقع لايعرف سوى الصدى وخنق الجهر و قتل الكلام الصارخ الذي قد يتحول إلى حجر عند أدونيس في قصيدة "السماء الثامنة" من ديوان " المسرح والمرايا"، وقد يلتجئ الشاعر إلى الصمت كما عند البياتي في قصيدة " إلى أسماء" من ديوان " سفر الفقر والثورة". ومن هنا، فالغربة في الكلمة، أو في المدينة، او في الحب، " ليست سوى وجه واحد من عدة أوجه، يمكن تصورها لغربة الشاعر العربي في واقع ما بعد النكبة"
ويلاحظ أن هناك من الشعراء المحدثين من وقف عند لون واحد من الغربة، وهناك من مزج بين لونين ، وهناك من تحدث عن الألوان الثلاثة للغربة، وهناك من جمع بين الأربعة في وحدة شعرية منصهرة:" تلك الوحدة سوغت له أن يمزج في بعض الأحيان، بين لونين من ألوان الغربة في القصيدة الواحدة، على نحو ما فعل إبراهيم أبو سنة حين مزج بين الغربة في الحب والغربة في المدينة، في قصيدة له بعنوان " في الطريق". وعلى نحو ما نجد عند صلاح عبد الصبور، الذي يمزج بين الغربة في المدينة، والغربة في الكلمة في قصيدة" أغنية للشتاء". وقد يمضي بعض الشعراء بعيدا، فيمزج في قصيدة واحدة بين ألوان مختلفة تتعدى ما سبقت الإشارة إليه من ألوان الغربة ، كما هو الشأن في قصيدة" فارس النحاس" لعبد الوهاب البياتي" ، التي جسدت الغربة في المكان والغربة في الزمان والغربة في المدينة والغربة في العجز. وهذه الغربة تتفرع عنها الغربة في الحياة والغربة في الموت والغربة في الصمت. وهذه النظرة الشمولية للغربة تنطبق أيضا على قصيدة يوسف الخال" الدارة السوداء".
وقد تتداخل تجربة الضياع والغربة في قصائد الشعراء المحدثين مع تجربة اليقظة والأمل. وإنه:" من المفيد أن نشير بصفة عامة، إلى أن إيقاع التجدد والبعث والأمل بلغ أوجه في الارتفاع والتألق، في الفترة الواقعة بين تأميم القناة، وبين واقعة الانفصال بين مصر وسورية. على حين بدأ إيقاع اليأس يسود بعد هذه الحادثة الأخيرة، وأن نشير بصفة خاصة، إلى أن استجابة الشاعر للإيقاع السائد في المرحلة ، لاتكون استجابة مطلقة".
وسبب هذا الضياع عند الشعراء المحدثين هو تأثرهم بالأدب الوجودي كما عند سارتر وألبير كامو، ومن الشعراء الذين تغنوا بالسأم الوجودي والقلق والاغتراب والضياع نستحضر كلا من صلاح عبد الصبور في قصيدة "الظل والصليب " من ديوان" أقول لكم" ، وكما حصل في بعض قصائد عبد الباسط الصوفي من ديوانه" أبيات ريفية" كقصيدة" قصيدة ومقهى"، وقصيدة" أحزان قديمة"، وقصيدة " تثاؤب".
وقد دفع هذا اليأس وهذا الضياع عند الشعراء المحدثين بعض النقاد( حسين مروة، وجلال العشري، ومحمود أمين العالم، وفاروق خورشيد) إلى اتهام هذا الشعر الجديد بالسلبية والنكوص والضعف والاستسلام والميل إلى الذاتية الباكية على غرار الرومانسيين الوجدانيين. بيد أن أحمد المجاطي يدافع عن هذه التجربة بقوله:"إن هذه النغمة المستوردة هي التي حملت بعض النقاد على اتخاذ مواقف متحفظة من تجربة الغربة كلها، ولاشك أن موقفهم هذا، ناتج قبل ذلك من الخلط بين ماهو أصيل من تلك التجربة، وبين ماهو غير أصيل، وإن الخوف المبالغ فيه من كل مايمت بصلة إلى الحزن والضياع والتمزق، كأن الحياة نزهة مترفة، لامكان فيها للخوف، والتردد، والرعب، وكأن الشعر لايملك أن يكون إيجابيا حتى وهو يشق العظام ليؤكد وجود المادة النخاعية" كما يقرر روزينتال". أما الشيء الذي يؤسف له فهو أن موقف هؤلاء الباحثين قد قادهم إلى تجاهل النجاح الذي حققته هذه التجربة، وهو نجاح يرجع إلى أن الهم الذي عانى منه الشاعر الحديث، لم يكن هما فرديا كالهم الذي أغرق تجربة شعراء التيارات الذاتية، في الظلمة والقتامة، واليأس، إنه هم جماعي نابع من تفتت الأرض تحت أقدامنا، ومن ارتفاع أسوار الحديد أمام كل خطوة نخطوها،نابع من قصر عصر الأفراح، التي تبزغ في سمائنا بين الحين والحين، فنحسب أنها الفجر الصادق، حتى إذا فتحنا أذرعنا للقاء المنتظر، تكشف أقنعة الضوء عن أنياب الفزع والموت. إن هذه الغربة هي غربتنا، وكل صوت نرفعه في وجه الشعر حين يشير إليها يجب أن يتحول إلى فعل، وأن يكون هدف ذلك الفعل، الواقع العربي، لامكان للحسرة في نفوسنا وكلماتنا. لا أريد بهذه الكلمة أن أدافع عن تجربة الغربة، ولكن هدفي هو لفت النظر إليها، وعلى الدور الذي لعبته في تهييء الشاعر الحديث لتجربة أخرى... وهي تجربة الحياة والموت" .
بيد أن أحمد المعداوي سيعتبر تجربة الغربة والضياع تجربة سلبية فاشلة وجدت نفسها في طريق مسدود كما أثبت ذلك في كتابه "أزمة الشعر العربي الحديث" في الفصل الثالث المخصص للرسالة الشعرية.

الفصل الثالث: تجربـــة الحيـــاة والمـــوت

لم يكن الشعر العربي الحديث كله شعر يأس وغربة وضياع وقلق وسأم، فهناك أشعار تغنت بالأمل والحياة واليقظة والتجدد والانبعاث او مايسمى عند ريتا عوض بقصيدة الموت والانبعاث التي نجدها حاضرة في أشعار بدر شاكر السياب وخليل حاوي وأدونيس وعبد الوهاب البياتي. وسبب هذا الأمل والتجدد في أشعار هؤلاء التموزيين الذين تغنوا بالموت والانبعاث هو ماتم إنجازه واقعيا وسياسيا كثورة مصر و تأميم القناة ورد العدوان الثلاثي واستقلال أقطار العالم العربي والوحدة بين مصر وسوريا إلى غير ذلك من الأحداث الإيجابية التي دفعت الشعراء إلى التغني بالانبعاث واليقظة والتجدد الحضاري. ولم تستقل حقبة الأمل بفترة معينة، بل نراها تتداخل مع فترة إيقاع الغربة والضياع تعاقبا أو تقاطعا.
وقد نجد فكرة التجدد عند الشعراء المهجريين كأقصوصة " رماد الأجيال" و"النار الخالدة" عند جبران خايل جبران، وقصيدة" أوراق الخريف" لميخائيل نعيمة، " غيرأن هذه اللمحات الأدبية والشعرية ، التي تراءت في إنتاج أدباء المهجر الشمالي ، لاتؤلف في واقع الأمر تجربة متماسكة، تضع الإيمان بالتجدد والعبث فوق كل اعتبار،فباستثناء قصيدة " الحائك" لنعيمة، تبقى الحيرة والتردد، وإيثار الحياة الحالمة، هي طابع هذه التجربة العامة". ويعني هذا أن التجدد عند شعراء المهجر مقترن بالتناسخ، بينما التجدد عند الشعراء المحدثين مرتبط بالفداء المسيحي.
وقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير والرموز الدالة على البعث والنهضة واليقظة والتجدد، واستلهمها من الوثنية البابلية واليونانية والفينيقية والعربية، ومن المعتقدات المسيحية ومن التراث العربي والإسلامي ومن الفكر الإنساني عامة. وتجسد هذه الأساطير غالبا صراع الخير والشر، ومن بين هذه الأساطير الموظفة نجد: تموز وعشتار وأورفيوس وطائر الفينيق وصقر قريش والخضر ونادر السود ومهيار والعنقاء والسندباد وعمر الخيام وحبيبته عائشة والحلاج ولعازر والناصري.
ولقد أفرزت هذه الأساطير الرمزية التي وظفها الشاعر المعاصر منهجا نقديا وأدبيا وفلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري" يقدم به الشاعر مشاعره وأفكاره، ومجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل، لا عن طريق مخاطبة الفكر، كما تفعل الفلسفة والمنطق، بل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور، حيث تكمن رواسب المعتقدات والأفكار المشتركة".
ويعد أدونيس من أهم شعراء التجربة التموزية الذين تغنوا بالموت والانبعاث كما في ديوانيه" كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل"، وديوان" المسرح والمرايا". ومن أهم خصائص شعره التي تحدد نظرته إلى أمته على المستوى الحضاري خاصة التحول عبر الحياة والموت، أي إن أدونيس يشخص في أشعاره جدلية الإنسان المتأرجحة بين الحياة والموت، كما في قصائده الشعرية " الرأس والنهر"، و" تيمور ومهيار"، وقصيدة "السماء"، وقد اشتغل أدونيس في شعره كثيرا على أسطورة العنقاء وشخصية مهيار .
أما إذا انتقلنا إلى الشاعر خليل حاوي فقد عبر في دواوينه الثلاثة " نهر الرماد" و"الناي والريح " و" بيادر الجوع" عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول عند أدونيس هو مبدأ المعاناة، أي معاناة حقيقية للخراب والدمار، والجفاف والعقم. وقد شغّل في شعره أسطورة تموز وأسطورة العنقاء للدلالة على هذا الخراب الحضاري والتجدد مع العنقاء.
ومن القصائد الدالة على معاناة الحياة والموت قصيدته" بعد الجليد "وقصيدة" السندباد في رحلته الثامنة"، و"حب وجلجلة"، و"البحار والدرويش"، و" ليالي بيروت"، و" نعش السكارى"، و"جحيم بارد"، و" بلا عنوان"، و"الجروح السود"، و" في جوف الحوت" ، و"المجوس في أورپا" و"عودة إلى سدوم"، و"الجسر"، و"عند البصارة" ، و" وجوه السندباد"، ومسرحية"عرس الدم" للوركا، و" سيرة الديك الجن"، و"الكهف"، و"جنية الشاطئ"، و" لعازر عام 1962 م".
ومن جهة أخرى، فقد تناول بدر شاكر السياب في الكثير من قصائده معاني الموت والبعث، وعبر عن طبيعة الفداء في الموت، إذ يعتقد بأن الخلاص لايكون إلا بالموت، إلا بمزيد من الأموات والضحايا كما في قصيدته " النهر والموت" ،وفي قصيدته " قافلة الضياع "، و" رسالة من مقبرة". وقد استخدم السياب رمزا أسطوريا للتعبير عن فكرة الخلاص وهو رمز المسيح كما في قصيدته" المسيح بعد الصلب"، وقصيدة " مدينة السندباد" و"أنشودة المطر".
وتتسم أشعار عبد الوهاب البياتي بجدلية الأمل واليأس كما يظهر ذلك جليا في ديوانه" الذي يأتي ولايأتي". ويلاحظ الدارس أن هناك ثلاث منحنيات في جدلية الأمل واليأس في أشعار عبد الوهاب البياتي:
" في المنحنى الأول، انتصار ساحق للحياة على الموت، وتمثله الأعمال الشعرية السابقة على" الذي يأتي ولايأتي"، ولاسيما " كلمات لاتموت"، و" النار والكلمات" و" سفر الفقر والثورة".
في المنحنى الثاني تتكافأ الكفتان، ويمثله ديوان" الذي يأتي ولايأتي".
أما المنحنى الأخير، فيتم فيه انتصار الموت على الحياة، ويمثله ديوان" الموت في الحياة""
هذا، و قد جسد عبد الوهاب البياتي في دواوينه الشعرية حقيقة البعث من خلال الخطوط الأربعة الهامة لمضمون ديوانه" الذي يأتي ولايأتي" كخط الحياة وخط الموت، وخط السؤال، وخط الرجاء، وكل هذا يرد في جدلية منحنى الأمل ومنحنى الشك.
وبعد، لقد أصبح الشاعر الحديث شاعرا يجمع بين هموم الذات وهموم الجماعة ، يروم كشف الواقع واستشراف المستقبل متنقلا من التفسير إلى التغيير. وبمعنى آخر،" لقد أصبح وعي الشاعر بالذات وبالزمن وبالكون مرتبطا بوعيه بالجماعة، ومتضمنا له. وماكان لشيء من ذلك أن يحدث لولا وعي الشاعر الحديث، وإدراكه للتحدي الذي يهدد حاضره ومستقبله، بالقدر الذي يهدد وجوده القومي. الأمر الذي جعل موقف الشاعر من الذات، ومن الكون، ومن الزمن ومن الجماعة، موقفا موحدا، تمليه رغبته في الحياة والتجدد والانتصار على كل التحديات، التي يرمز إليها برمز واحد، ذي طابع شمولي، هو رمز الموت الذي يعني موت الذات وموت الزمن( الماضي بكل أمجاده والحاضر بكل تطلعاته) ، والذي يعني تبعا لذلك محو الوجد القومي والإنساني للأمة العربية.
إن الصراع بين الموت والحياة في تجربة الشاعر الحديث يعني في آخر الأمر الصراع بين الحرية والحب والتجدد الذي يجعل الثورة وسيلته، وبين الحقد والاستعباد والنفي من المكان ومن التاريخ."
وعلى الرغم من مضامين الشعر الحديث الثورية، فإنه لم يتحول إلى طاقة تغييرية، بل نلاحظ انفصالا بين الشعر الحديث والجماهير العربية، والسبب في ذلك يعود حسب أحمد المعداوي إلى عامل ديني قومي، وعامل ثقافي، وعامل سياسي، ولكن أهم هذه العوامل حسب الكاتب تعود إلى العامل" المتعلق بتقنية هذا الشعر، أي بالوسائل الفنية المستحدثة التي توسل بها الشعراء، للتعبير عن التجارب التي سبقت الحديث عنها. فلا شك في أن حداثة هذه الوسائل حالت بين الجماهير، وبين تمثل المضامين الثورية لهذا الشعر."

الفصل الرابع: الشكـــــل الجديــــــد

استعمل الشعر الحديث شكلا جديدا يتجلى في استخدام الرموز والأساطير والصور البيانية الانزياحية، كما أن اللغة تختلف من شاعر إلى آخر، فالشعراء العراقيون الذين يمثلهم بدر شاكر السياب يستعملون لغة جزلة وعبارة فخمة وسبكا متينا على غرار الشعر القديم الذي يتميز بالنفس التقليدي كما يظهر ذلك جليا في دواوين السياب القديمة والمتأخرة وخاصة قصيدته "مدينة بلا مطر"، وقصيدة" منزل الأقنان"، بينما هناك من يختار لغة الحديث اليومي كما عند أمل دنقل في ديوانه" البكاء بين يدي زرقاء اليمامة"، وهناك من يخلخل اللغة الشعرية النفعية المباشرة ويستعمل لغة انزياحية موحية تنتهك معايير الوضوح والعقل والمنطق كما نجد ذلك عند الشاعر أدونيس والبياتي ومحمد عفيفي مطر وصلاح عبد الصبور، وهناك من يشغل اللغة الدرامية المتوترة النابعة من الصوت الداخلي، وهذا الصوت" منبثق من أعماق الذات، ومتجها إليها، خلافا لماهو الأمر عليه لدى الشاعر القديم، الذي امتاز سياقه اللغوي بصدوره عن صوت داخلي يتجه إلى الخارج، وهو في اتجاهه إلى الخارج يأخذ شكل خطاب أو التماس أو دعوة إلى المشاركة والتعاطف، الأمر الذي يمنعه من أن يقيم جدارا بينه وبين العالم الخارجي أثناء المعاناة والتوتر، فهناك دائما شخص آخر يقاسم الشاعر آلامه" ، كما نجد ذلك لدى الشاعر محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول".
وعلى مستوى الصورة الشعرية، فقد تجاوز الشاعر الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، والصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين،
باختصار وجيز...وبدون صبغة...قصة واقعية..
حقيقية أحداث هذه القصة التي لا نظير لها في سلسلة القصة الواقعية، تنطلق هذه الأحداث البسيطة والمؤثرة من شاب إسمه"الطاهر"الذي كان أكثر همه عالم الطفولة، إسمه خير برهان على طهارة وجدانه تجاه عالم البراءة...
الطاهر منه تنبعث الطهارة ويتاكد هذا القول من تلقاء أعمق وقع   وقع له جراء علاقته الاخوية مع فتاة إسمها"مريم"،كان الطاهر عزيزا عليها وعلى إخوتها وأمها ، فدوما يزور هذه الأسرة ويؤنس مريم
Tantan le : 2007/11/01                                                                                     ثانوية محمد الخامس
                                                                                                                                طانطان    


اللجنة المكلف ببناء قاعة الصلاة
- لجنة التلاميذ -

الإسم الكامل                                           القسم :                                                   التوقيعات:                                      
خليفة العراج                                   س.ث.باك.علوم إنسانية6                                                              
سعيد البسير                                   س.ث.باك.علوم إنسانية1                                                            
طارق بعلي                                     س.ث.باك.علوم إنسانية3                                                            
إبراهيم الشاوي                                 س.ث.باك.علوم إنسانية5
أ ترفضني؟؟؟؟
الخميس, 02 شوال, 1429

على نغمات جد حزينة، أردت أن أكتب ما يجول في الخاطر، وأن أدلو بدلو التعبير في وسط انعدم فيه التعبير...
لماذا هي الحال هكذا لما تود النفس الصراخ و التعبير عما يخالجها؟
يبدو أن الأبواب التي تطرقها يا إبراهيم صدأة ولاتبغي الإنفتاح، أية أبواب؟ الأبواب المتعلقة بكل ماهو خاص، خاص؟ أي خاص هذا الذي يرفضني كليا...المهم الآن قد رفض ، لكن لا يمكن للمرفوض السماح لمخلوق ما أن يطيح من كرامته، و خصوصا بأن ينسف الأحاسيس ويتلاعب بها كما يشاء ...عماذا أتحدث؟؟؟؟
أتحدث عن قوم جهلوا الرياح من أين تهب وإلى أين تسري، أتحدث عن نفوس لم تذق مرا مرارة الحزن ولم تتجرع قط   من كأس الهيام الحقيقي...وماذا بعد في ذلك؟ لماذا تكتب في أي حال مادام التغيير لا يعرف طريقك.....................دوما تنتهي بالرفض
عموما، أنا لست بدار ما سيحصل مستقبلا، لكن ما سيحصل غير   غريب مادامت الغربة استوطنتني في كل خصوصياتي....بل حتى في بيتي.....وهل لي بيت؟ نعم لي، لكن ليس له ساس....أتمزح؟ بالطبع لا، ألا تكفي الدموع بأن ينقلب إلي رافضي متسامحا؟؟؟ لا أظن أنني سأسامحه حتى و إن سامحني...ماذا أقول؟
ياللغرابة، أليس كذلك؟؟؟
الغرابة هي كل ما فهمته من هذا المخلوق الغريب ، هي التي ورثتها عن من رفضني كليا، غريب في تصرفاته وفي كلامه، بل غريب حتى في حياته....لا يبدو كلامي معقولا، من الناحية السطحية نعم ، لكن في العمق ينكشف الغريب و تزول ظلمته التي تخفي العديد من العوائق التي حالت دون عدم الرفض..هل انتهيت؟
يبدو كذلك، وإن كذبت في ذلك.......ه
أضافها إبراهيم بن أحمد الشاوي @ 07:03 م [ارسل هذا المقال لأصدقائك]
من يحضنني؟؟؟
أنين حضني
إني لا أدعي أمرا سوى أني أبحث عن حضن يضمني إليه بشدة، كطفل رضيع   يحتاج الصدر الحنون الذي يحضنه بحب صادق، ويملأ عليه فراغه النفسي
إني أبحث عن حضن يلتصق بي روحيا، حضن ليس بالسهل إيجاده وسط هذا العالم المقرف الذي يشوبه نوع من الفوضى وساده طوفان من الشهوات الحسية بشكل مروع، فغدت أهم من أي صفاء روحي وحب صادق، وذلك بسبب الإنسانية التي أصابها تشوه أخلاقي مفسد للغاية...للأسف، كيف لي أن أجد ما أبحث عنه والظلام قد عمَّ كل أرجاء الإنسانية، حتى وإن كانت هناك بعض الفوانيس أو البدور المضيئة إلا أنها تكاد تنمحي...
أينك أيها الحضن!!!، فحضني يحتاج إلى من يضمه و يؤنسه، ياليت حضنا يبادر بالإقتراااب...كم أتمنى أن تعلن فتاة ما عن تشابه رغبتينا في لمِّ الأحضان ببعضها البعض ثم زوال الهم والغم والبؤس القاتل ... وأتصور من أن هذا المقال سيحقق ما أتمناه، لأنه كلام جدي و صادق، إذ لن تقدر الرياح الإنسانية الحاقدة أن تهب به كما تشاء، أو أن تشتت حروفه التي نسجتها في شكل شبكة لا تدعي الجمالية الاسلوبية، وإنما الصدق في شعوري العميق هذا. فالإنسان حينما تغمره الأحاسيس لا يعي بذاته في اللحظة التي يعبر عنها فيها، بل إنه لا يشعر حتى بتجاوزه لبعض الحدود، فأهم شعور يمكنني التعبير عنه هو شعوري بالمعاناة جراء وحدة تخلق لدي إحساسا متأزما ينمو و ينمو...ولا أعلم إن كان هناك من حضن حسن النية في لمِّ شمل فكري و روحي متكامل...وإذا ربطنا هذا وذلك فالمحصود من هذه المزرعة الروحية هو:"أني أنقب تنقيبا جديا ولو كان هذا فيه بعض الغموض والغرابة، إلا أنه صادق ونابع من العمق الروحي لدي". وطموحي هذا ليس طموحا دنيويا بالمعنى السطحي الذي قد يفهمه جملة من الناس فهما مغلوطا...
منذ أن تعرفت عليك من خلال كتاباتك و خواطرك تعلمت منك الكثير   من الأشياء اللتي لم تكن ابدا في قاموس افكاري مثل المعنى الحقيقي للحياة من حب وجمال وايضا قرف .والان اصبحت أتذوق هذه اللشياء بطعمها الحقيقي .كما علمتني شيئا اكثر اهمية وهو الانفتاح على الاخرين .كنت منغمرة على نفسي احب الطبيعة واكره كل ما يسمى بالاندماج وشيئ اسمه تكنولوجيا .وكنت اظن الشباب العربي انعدمت منه روح الحس لكن بفضلك لم اعد  
halima a envoyé 08/11/2008 19:21 :
استهين بقدرات اي انسان عادي اراه. والان تغيرت   كثيرا. وكأني خرجت من منفذ ضيق كنت أحسب ان هذا هو وسع الحياة .وتغير ذلك بعدما أرسلك الله الي لكي تهدم هذا الجدار عني وتخرجني الى العالم الحقيقي .شكرا حقا .كما اني كنت ارى الادب في كتب اناس ماتوا ظنا مني انه مات معهم .لكن الان اصبحت اعيش ادب هذا العصر الجديد الذي هو ايضا له مميزات خاصة.كنت اعتقد ان المبادئ والالتزام بالقوانين هي ركائز الحياة .لكن الان
halima a envoyé 08/11/2008 19:43 :
احسست بلذة التمرد على الواقع الذي يقيدنا لنعيش كالالة التي يحركها كما يشاء .لقد تحررت روحي من هذه الاغلال وتبقى جثتي التي ما زالت ترفض هذا العالم المتطور .ماذا أفعل .عيني تخدلني لساني يخدلني جلدي يتأكل علي ويبقى قلبي وعقلي الابكمين الغير الظاهرين اللذين يريدان وسيطا ينوب عنهما في الخارج الدنيوي .لقد اكتشفت اشياء جديدة في نفسي افكار لم ادري أين كانت مختبئة .كنت احتقر نفسي عندما أعبر عن شيئ وأمنعها
halima a envoyé 08/11/2008 20:08 :
من الحق في التعبير .لاني ارى فرقا شاسعا جدا في ماانتجه وماينتجه   الاخرين .وأمزقه في الاخر.وكنت أعتقد ان الصواب هو من الشخص الذي يضع القوانين .         سامحني كثيرا   سامحني كثيرا اذا اديتك معنويا .ان جميع الاشخاص لا يتفهموني يظنون اني شخص شرير وغريب بسبب تركيبي المبني على الحق والصدق .لماذا الانسان يتقبل الاخر بالكذب والكلام الفارغ .بدل ان يبني واقعه على الحقيقة والصراحة .سامحني اذا قمت بتصرف   ا  
halima a envoyé 08/11/2008 20:25 :
لم   يعجبك او ارتكبت خطأ في حقك .وكم أتمنى لو ارسلت لك هذه الرسالة يدا بيد لكي ترى عليها قطرات دمعي التي تشهد على صدق مشاعري .شكرا حقا ..لقد احببتك كثيرا يا معلمي لانك محوت عني الامية والجهل وجعلتني انسان جديدا .اشكرك شكرا لا يمكن ان اعبر عنه بالكلمات. شكر اتمنى ان تتفهمه باحساسك وادعوا الله ان يحفظك من كل مكروه وان يسهل لك طريق النجاح الى مستقبل زاهر .
شخصيات القصة الرئيسة :
سعيد مهران :لص شبه مثقف يدخل السجن في اللصوصية، وحين يخرج من السجن تبدأ مأساته الحقيقية، فهو يجد أن زوجته التي طلقته وهو في سجنه قد خانته، وتزوجت من أخلص صديق له في عصابته. ويجد أن ابنته الصغيرة سناء تنكره انكار الولد الذي لم ير أباه أبدا،
رؤوف علوان :صحفي كان على علاقة صداقة قوية مع سعيد مهران قبل ان يدخل السجن وفي اثناء دخول سعيد السجن تحدث تطورات لشخصية رؤوف الذي يصبح كاتبا صحفيا مرموقا بعد ذلك في احدى الصحف
الشيخ الجندي :شيخ ناسك متعبد في صومعته يلتمس سعيد مهران حلا لمشاكله عنده فلا يجد منه الا عبارات صوفية مبهمة
نور :مومس يتعرف عليها سعيد مهران بعد سلسلة من الجرائم ويتبادلان الحب وتقوم بإيوائه في بيتها عند مطاردة الشرطة له
وهناك مجموعة من الشخصيات الثانوية التي يكاد يختفي فيها عنصر الحوار مثل نبوية وعليش وابنته سناء
الملخص :
تدور احداث القصة حول البطل الرئيسي للرواية سعيد مهران الذي يدخل السجن بفعل وشاية يقوم بها رجل اسمه عليش الذي بدوره يقوم بالزواج من زوجة سعيد بعد تطليقها منه
يخرج سعيد مهران من السجن فيجد العالم قد تغير والقناعات قد تبدلت
ويفاجأ ايضا بتنكر ابنته الصغيرة له لانها لا تعرفه
ثم يلجأ الى صديقه الصحفي القديم رؤوف علوان الذي بدل جميع ولاءاته وشعاراته فلم يظفر بغير النفور والأعراض وتأليب رجال الأمن عليه فيصطدم بهذا الواقع الاليم
ثم يتوجه كحل اخير للشيخ الجندي في صومعته ملتمسا ان ينشله من هذا المستنقع ولكن يفشل ايضا في الوصول الى حل
فيقرر الانتقام من الخونة وان يسترد سنوات عمره الضائع منه
لقد كانت ازمة البطل منذ البداية، نابعة من تنكر الابنة وخيانة الزوجة وغدر الصديق.. سناء ونبوية وعليش، هم صناع هذه التركيبة النفسية المأزومة لبطل القصة.
وتبدأ رحلة الانتقام عند سعيد مهران بعد ذلك
فماذا حدث ؟
عندماخذله الشرفاء انصفه غير الشرفاء،
أنصفته نور ( بائعة الهوى ) عندما أتخذ من بيتها وقلبها مأوى له.. ومع ذلك فبقدر ما تذوق في رحابها طعم الوفاء تذوق مرارة الأزمة: خانته الزوجة ووفت له البغى.. أي مفارقة يعدها له القدر؟..
وعندما اهتز قلبه لأول مرة بعاطفة حقيقية نحو انسانة وكانت هذه الانسانة هي نور، أدرك أن وجوده قد وصل – في مرحلة صعود لا تتوقف – الى قمة العبث.. ان الكلاب تطارده، وتتربص به،وتسد عليه المسالك.. لا فائدة اذن من أن يبوح لها بحبه وعرفانه للجميل ان حياته كلها قد غدت وهي تحمل معنى اللاجدوى وكل الطرق أمام أحلامه قد اصبحت مغلقة
وبدات رحلة المطاردة
في عملية المطاردة هذه تبين أن القدر نفسه يقف في سخرية مريرة الى جانب الكلاب فحين يتسلل سعيد مهران ليلا ليغتال صاحبه اللص الخائن عليش تفتك رصاصاته بمجهول برئ استأجر شقته من بعده وحين تسلل سعيد مهران ليلا ليغتال المصلح الاجتماعي الداعي رؤوف علوان تفتك رصاصاته بالبواب المسكين البرئ.
وهكذا يفر سعيد مهران كالقنيصة وقد خابت كل آماله في تطهير الدنيا من الكلاب. ويبدأ طراد من نوع جديد، طراد المجتمع لهذا السفاح الجديد، فالبوليس وراءه لا يهدأ لأن هذا واجبه والرأي العام وراءه لا يهدأ لأن الصحافة تستثيره، أما هو فهو معتصم آنا عند بغى عاشقه له اسمها نور تعيش في بيت على حافة المقابر ومعتصم آنا بين المقابر نفسها حتى يحاصره رجال الأمن من كل جانب ويوشك أن ينزل بهم وبنفسه الدمار، ولكن قواه تخذله في اللحظة الأخيرة فيستلم للبوليس.
اللص والكلاب وتعليق عام:
أثبت نجيب محفوظ بما لا يدع مجالا للشك أنه سيد من يبنى البناء في أدبنا القصصي. فهو مهندس من أعظم طراز يعمل بالمسطرة والفرجار
أن كل خصائص القصة الكلاسيكية وصلت في هذه القصة الى حد الكمال
ومضمون "اللص والكلاب" مضمون واقعي في قالب رومانسي ..
واقعي في احداثه ومواقفه وان كانت المواقف لم تخل من مذاق "وجودي" في بعض الأحيان. ان سعيد مهران بكل ميوله النفسية الناقمة لم يكن الا نمطا انسانيا صنعته ظروف ضاغطة، ظروف اجتماعية جددت خط سيره في طريق الحياة.. وكل واحد منا لو نشأ نفس النشاة وتعرض لنفس الظروف
التكنيك الحواري ....
حاول نجيب محفوظ في قصته على المزاوجه بين اللغة الفصحى التي يحرص عليها في قصصه بعامة وبين اللغة المحكية لينقلنا بواقعية داخل الخطاب النفسي للشخوص .
عبارات مشهورة على لسان سعيد مهران في القصة ..
" هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب.. تخلقني ثم ترتد، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي، كي أجد نفسي ضائعا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل.. ترى أتقر بخيانتك ولو بينك وبين نفسك أم خدعتها كما تحاول خداع الآخرين؟ ألا يستيقظ ضميرك ولو في الظلام؟ أود ان أنفذ الى ذاتك كما نفذت الى بيت التحف والمرايا بيتك، ولكني لن أجد الا الخيانة. سأجد نبوية في ثياب رؤوف، أو رؤوف في ثياب نبوية، او عليش مكانهما، وستعترف لي الخيانة بأنها اسمج رذيلة فوق الأرض.. كذلك أنت يا رؤوف، ولكن ذنبك افظع يا صاحب العقل والتاريخ، اتدفع بي الى السجن وتثب أنت الى قصر الأنوار والمرايا؟ انسيت أقوالك المأثورة عن القصور والأكواخ؟ أما أنا فلا أنسى!"
------------------------------------------------------------------------
الرواية :
العنوان : يقدم عنوان '' اللص والكلاب '' إمكانيات غنية بالتساؤلات حول الدلالات والإحاءات التي يمكن أن يحيل عليها التركيب الاسمي ، بمفردتيها ''اللص'' و ''الكلاب'' ، ولعل أول تساؤل يستثير القارئ: علاقة عطف الجمع الواوي في الجملة بين اسمين ، أحدهما مرتبط بالإنسان و الآخر بالحيوان ، مما يمكن أن يوهم بحقيقتهما المعجمية في ذهن المتلقي ، فيجد نفسه أمام فرضية للقراءة محدودة الأفق في ضوء ما يحيل عليه المكونان، من منطلق تصور اشتغال الرواية على حدث أو أحداث واقعية وثيقة الصلة بعالم السرقة والمطاردة .
وقد يجد نفس القارئ حاجة لاستعراض ما يتصل باللص من صفات لها علاقة بالجريمة ، دون نفي إمكانية التفكير في الظروف الواردة ، كأسباب للفعل في الواقع ، على اعتبار أن اللص في النهاية قد لا يكون دائما موضوع إدانة ، إن كانت ثمة دوافع موضوعية كالحاجة و الضرورة ، في مجتمع يدفع إلى جنحة اللصوصية تحت الإكراه ، خاصة وأن اللص بصيغة المفرد ، قد يصدر في فعله عن موقف شخصي يعكس ذاته ، دون صيغة الجمع التي يمكن أن توحي بالعمل المنظم ذي الطبيعة الاحترافية ، وبنفس التأمل في دلالة المكون الثاني من العنوان '' الكلاب '' ، يمكن أن يستحضر ما يتصل بهذا الحيوان الصديق التاريخي للإنسان، من صفات الوفاء و الصدق في الملازمة ، لدرجة التضحية من أجل صاحبه في مواجهة ما يتهدده ماديا من طرف الغير، لينتهي إلى حاجته لقراءة المتن الروائي ، كي يحدد للمكونين دلالتهما المقصودة في رؤية الكاتب ، في ضوء ما راهن عليه بتأليفه للرواية .
المتن الحكائي : حين خرج سعيد مهران من السجن ، بعد أربع سنوات مستبقا نهاية الحكم المقرر بعام نتيجة حسن سيرته ، اكتشف متأخرا أن سبب معاناته ، إنما كان تآمر زوجته نبوية مع صديقه عليش عليه، فبعد التنسيق مع عشيقها ، جاءت نبوية التي كانت تعمل في البيت موضوع السرقة ، بخبر كاذب عن سفر سكانه ، صدقها زوجها سعيد مهران ، وراح للتنفيذ ، كي يلقى عليه القبض بعد التبليغ عنه من طرف صديقه ، ومن هنا بدأت المعاناة مع الخيانة ومكابدة التفكير في الثأر والانتقام ، ممن سيشكلون أمامه الصورة الأولى للكلاب بالمعنى القدحي، لما يمثلونه من خداع ومكر وضرب لأعمق القيم التي لا يمكن أن يتنازل عنها حتى اللص في مستوى سعيد مهران ، و مما يزيد في عمق الجرح ، عجزه عن التواصل مع ابنته '' سناء'' التي أنكرته ببراءة ورفضت حتى مصافحته في لقاء بالبيت القديم، مشحون بالانفعالات في حضور الغفير وبعض الجيران. تتأكد لديه ، فلا يجد وجهة غير الشيخ الجنيدي صديق أبيه ، يكاشفه بحزن الصدمة ، قبل البحث عن اسم كان يعرفه أيام العمل ببيت الطلبة ، توصل إلى أنه صار محررا في جريدة ، يتذكر جيدا كيف كان رؤوف علوان ، مدافعا عنه لتبرئته من تهمة سرقة الساعة ، رغم أن سعيد اعترف له بظروف حاجته إليها ، بل يتذكر بالتفصيل ، ما أقنعه به لتبرير ما أقدم عليه من فعل السرقة ، ما دام الأمر يتعلق باسترجاع حق الفقراء من أيدي الأغنياء ، لقد كان رؤوف علوان مرجع سعيد مهران في الوعي الذي تشكل لديه فأصبح لصا ، لكنه ليس كسائر اللصوص''الحرامية''. بعد الفشل في لقائه بالجريدة ، يذهب سعيد مهران إلى السؤال عن صديقه في بيته ، يفاجأ بالنعيم الذي يعيش فيه ، كما يفاجأ بالتحول في شخصيته ، فالرجل ما عاد نفس الرجل الذي يحمل قيم الدفاع عن الكادحين ، وأمام الصدمة ، وبعد الخروج مهزوما بيده عشر جنيهات كأنها صدقة من رؤوف علوان ، تحركت في أعماق سعيد مهران مشاعر الغضب عليه , وتحولت لرغبة في الانتقام منه ، لكنه بعد انتظار الليل للعودة إلى بيته كي يسرقه ، سيجده له بالمرصاد ، فلا يسلمه للشرطة بعد استعطافه ، لكنه يزيد من تعميق جرحه بالإهابة والاحتقار ، مما سيولد لدى سعيد مهران ، حقدا جديدا على الواقع ، تجسده خيانة من مستوى آخر ، لكنه لا يختلف من حيث التأثير النفسي ، عن خيانة زوجته نبوية وصديقه عليش، لتبدأ رحلة السجن الكبير في واقع تحكمه خيانة القيم الاجتماعية والفكرية ، حيث الضحية في النهاية ، هذا الإنسان البسيط الذي صدق زوجته وصديقه كما صدق وآمن برؤوف علوان . من هذه الوضعية تحديدا ، يبدأ التحول ، إنها حالة مكتملة عناصر التحرك نحو الفعل ، بعدما تحققت فيها شروط الصراع في مواجهة إكراهات الظروف ، باتخاذ سعيد مهران موقع الذات إزاء موقع الموضوع الذي يمثله الواقع ،و بينما تشكل المرسِل من مجموع الدوافع المحركة للذات ، أصبح المرسَل إليه هو الرهان الذي يغامر فيه من أجل شرفه بتطهير الواقع / الموضوع ، أما ما يتصل بالذات من الأسباب المساعدة أو المعارضة ، لبلوغ وضعية النهاية مع التحول ، بعد وضعية البداية مع الحالة، فيكفي تتبع التفاصيل التي وظفها الكاتب على امتداد رحلة سعيد مهران من السجن إلى القبر، بين إصرار '' نور '' على انتشاله من الرغبة في الاستمرار ، بالعمل على الاستجابة لحاجاته وتوفير ما تعجز عنه سعيا لإرضائه ، وبين إصرار رؤوف علوان على التخلص من وجوده ، بالعمل على محاصرته ومطاردته ، بالبحث عن كل ما يسهل الإسراع بنفيه وموته .
يبحث سعيد مهران عن مسدس للدخول في مغامرة استعادة الحق في الحياة ، ممن سلبوه كيانه وكينونته، يلجأ أولا إلى البيت الذي يحتله الخائنان العشيقان ، يطرق الباب ، وما أن يستوى خيال الرجل المستعد لفتحه ، حتى يطلق سعيد مهران عيارات عليه ، ليكتشف بعد ذلك ، أنه قد قتل بريئا ، بعدما رحلت نبوية وابنتها مع زوجها الجديد إلى بيت آخر ، ولم يكن القتيل الضحية سوى الساكن الجديد لنفس البيت . يتجه سعيد مهران للانتقام هذه المرة من رؤوف علوان باغتياله ، لكنه يخطئ الهدف، إذ تبين أنه قد أطلق الرصاص على بواب رؤوف علوان فأرداه قتيلا، وتبدأ مطاردة الشرطة لسعيد مهران ، بعد إحكام الطوق عليه بتواطؤ علوان مع الأمن ، والذي توصل إلى عنوان نور من وصفة طبية كان سعيد مهران قد قدمها للصيدلي من أجل دواء لمغص مزمن تعاني منه نور، يضيق الخناق عليه فيتجه الى الشيخ ، لكنه يضطر لمتابعة فراره حتى آخر رمق، رافضا الاستسلام لنداءات الشرطة و توسلات ''نور''،
( وفي جنون صرخ : - ياكلاب ! و واصل إطلاق النار في جميع الجهات )
وما أن يظهر مشهرا سلاحه في الساحة تحت الأضواء الكاشفة ،حتى ينهال عليه وابل من الرصاص لينتهي قتيلا ، بينما بقيت'' نبوية'' مع عشيقها ''عليش سدرة''، ويبقى ''رؤوف علوان'' في خلفية الصورة يستمر في الحياة .